ثقافةثقافة وفنون

«ناقة صالحة».. لقاء في عيون الإبل

في زمن الحداثة يعود سعود السنعوسي؛ في أحدث رواياته «ناقة صالحة»، وبشكل غير متوقع تمامًا، إلى الصحراء والبداية ليحكي لنا حكاية دخيل بن أسمر؛ ذاك الهائم بالبيداء عشقًا.

أتكون هذه العودة نتيجة شعور بالنوستالجيا إلى ما مضى؟ وتفجع على ما فات؟ أيكون” سعود” ملّ من ثيماته السردية فقرر التغيير، والتمرد على ذاته؟!.

رواية ناقة صالحة

ربما لن نعثر لهذه الأسئلة عن إجابات، لكن ما بوسعنا قوله إن ميزة هذه الرواية تكمن في تفردها، ليس من جهة الموضوع؛ فثمة طائفة من الأدباء والكتاب تعود الآن إلى البادية وأجوائها هربًا من عضات “الحداثة الفائقة”، وطلبًا للشفاء في الصحراء، وإنما يكمن تميزها في تجرؤ سعود السنعوسي على مخالفة التيار العام في الأدب الراهن، بل مخالفة نفسه هو ذاته، والتمرد على ثيماته وبنياته السردية السابقة.

وهو قرر أن تكون روايته مميزة حتى في لغتها، فكتبها بلغة صحراوية بدوية، قل أن يفهما إلا من كان له من البادية حظ ونصيب، فمَن الآن يدرك معنى “ناقة خَلوج”؟! وإن كان الرجل حاول شرح بعض مفرداته مرة أو مرات، إلا أن الشعور الكامن وراء الحروف لن يعثر عليه أو يدركه إلا من عاش في هذه البيئات أو كان له فيها تجربة.

كُتبت هذه الرواية بلغة سردية أقرب إلى النثر، أكان “سعود” يتدرب على قول النثر أم على نثر السرد؟! لا أحد يعلم، لكن مما لا شك فيه أن لغتها كانت فصيحة رائقة؛ خاصة إذا كان القارئ ممن يهوى هذا الضرب من الكلام.

تبدأ الرواية بمشهد واحد وتنتهي به، وما بين البداية والنهاية، يأخذنا سعود في رحلة عبر الصحراء؛ ليعرفنا على دخيل ابن أسمر، وصالحة بنت أبوها، وولدي عمها: صالح وفالح.

وعلى الرغم من أن عدد شخصيات هذه الرواية لا بأس به، إلا أن المرء، قد يقع، عقب إنهاء قراءتها، في حيرة من أمره، متسائلًا: مَن هو البطل هنا؟! “صالحة” أم “دخيل”، أم “فالح”؛ ذاك الذي لم يقبل إلا من أتاه على هواه؟!

كل هذا قد يكون واردًا، وهو أمر خاضع في النهاية لتأويل كل قارئ، إلا أن الأمر الأبرز أن “وضحى” ناقة صالحة بنت أبوها لعبت دورًا أساسيًا في الرواية يدفعني إلى القول إنها هي البطل في الرواية هذه.

لولا “ناقة صالحة” لما كانت هذه الرواية، التي تحكي قصة حب، مستحيلة، في الصحراء بين دخيل بن أسمر وبنت عمته “صالحة بنت أبوها”، لكن، وكأي حب صار أبديًا، لم تتوج هذه القصة بالنجاح؛ إذ قرر الشيخ آل مهروس أن يزوج ابنته “صالحة” لابن أخيه صالح.

لم تظفر “صالحة” مع “صالح” بالعيش السعيد، ورغم أنها حصلت منه على ولد، إلا أنها ظلت مُعلقة بدخيل الذي فر إلى الكويت بعد اتهامه بقول قصيدة يهجو فيها والد “صالحة” هجاءً مُرًا، وهناك _في الحضر حيث لا يعثر على ذاته_ سمى نفسه “محمد الشاوي” ويلوي عقاله، ويعمل في رعي الأغنام على حواف الحاضرة.

يخرج “صالح” لحرب وقعت بين خصمين، ومن سوء الحظ أن قبيلة دخيل بن أسمر كانت الخصم لقبيلة “صالح” الذي يُقتل في الحرب ولن يعود.

تعلم زوجته بالخبر، وبأن دخيل هناك جهة الشرق، فتقرر شد الرحال إليه، تعد العدة، وتحزم خيمتها وتضعها على ظهر ناقتها “وضحى” وتربط وليدها على ظهرها وترحل.

تعاني في السفر الويلات، والمطر الشديد، وتنقلب الأجواء وتعوي الذئاب، فتقرر أن تخيّم في مكان ما من هذه الصحراء اللانهائية ريثما يعتدل الجو وتهدأ الذئاب، وعندما تقرر الذهاب لا تأخذ الناقة نفس القرار، بل تمعن في الأذى فتضرب ولد “صالحة” الصغير في صدره وتكسر عظامه، ويخر صريعًا.

لكن “صالحة” تقرر أخذ ثأرها من ناقتها _التي اعتبرتها بمثابة أخت لها_ فتبقر “الحوُار” _ولد الناقة الصغير_ على مرأى ومسمع من أمه “وضحى”، وتعود إلى خيمتها، ومعها خنجر زوجها “صالح”؛ الذي تركه لها قبل أن يرحل بلا عودة إلى الحرب، يقطر الخنجر دمًا، وهو في يدها، تجلس هناك متجمعة على ذاتها.

لكن الجمل لا يترك ثأره هو الآخر، ويحمل الضغينة في صدره ولا ينسى، حتى قيل في الأمثال: “أحقد من جمل”، وتقرر الناقة أن تنتقم، فتقتل “صالحة” وتدك الخيمة على رأسها.

لم يعثر على الخيمة ومن فيها إلا “دخيل بن أسمر” ذاك الذي كانت تقول عنه أمه “دخيل: حظك قليل وزمانك بخيل”، فلم يعثر على محبوبته “إلا في عيون الإبل” كما قال هو، ذات يوم، لـ “صالحة”، يقرر دفنها في مقبرة بالبلدة القريبة، ويحرص على زيارتها في كل مرة ينزل إلى البلدة، عندما يأتي إلى السوق ليبتاع ويشتري، وهو المشهد الذي افتتح به سعود السنعوسي روايته.

اقرأ أيضًا:

«النوم في حقل الكرز».. تراجيديا الوجع العراقي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق