ثقافة

الحالة الحرجة للمدعو” كـ”.. المرض حرية

خلال 40 أسبوعًا وعبر ثلاثة فصول، تتطور أحداث رواية “الحالة الحرجة للمدعو كـ”، التي وصلت للقائمة الطويلة لجائزة البوكر 2018، تطورًا دراماتيكيًا، مفاجئًا وإنما تدريجيًا.

يبدأ “عزيز محمد” سرد أحداث بطله كموظف ناقم على عمله في إحدى شركات البتروكيماويات، يمقت في الحياة كل شيء تقريبًا إلا الأدب والكتابة، فيسترق اللحظات والساعات ليهجع للقراءة ثم الكتابة، حالما يظن أن فكرة ما في ذهنه وأنه من المتعين عليه نقلها على الأوراق.

وهذا المدعو “كـ” ليس إلا النسخة العربية من “فرانز كافكا” وربما أُخذ إسم البطل من الحرف الأول من اسم “كافكا” أو من أحد أبطاله، فالبطل هنا شبيه به في كل شيء، في الضجر، عدم الثقة في الذات وفي منتوجه الأدبي معًا، في المرض، بيد أن “كافكا” كان مريضًا بالسل فيما أصيب بطلنا باللوكيميا.

“إن كافكا، حين تحبطني صورة كل الكتاب الآخرين، هو عزائي الوحيد، أتصوره طيلة اليوم في مكتبه، ورئيسه خلفه يضع يده على كتفه، فيما كل ما يرجوه هو إجازة يتفرغ فيها ليكتب رواياته، رغم أنه لم يكن قادرًا على إنهائها حتى في فترات فراغه”.

يُداوم “كـ” على الذهاب إلى عمله كموظف في إحدى الشركات متأخرًا كل يوم، ناقمًا على العمل وعلى زملائه، يتصبح كل يوم بدماء أنفه وقد لطخت وسادته، فقد كان مصابًا بـ”الرعاف” منذ الصغر، وهو بالمناسبة ضيف دائم على عيادات الأطباء، وفي أحد هذه المرات التي نُقل على أثرها إلى إحدى المستشفيات يشك الأطباء في إصابته بمرض سرطان الدم “اللوكيميا”، وبعد فترة من الفحوصات تأكد شك الأطباء، وهنا يحدث تحول جوهري في حياة “كـ”، يأخذ إجازة من العمل؛ ليحصل على العلاج الكيماوي أو “الكيمو” كما كان يحب أن يسميه.

يتصور أن المرض سيكون خلاصه من الواقع الاجتماعي المحيط به والذي هو مغترب عنه بالكلية، فها هو الآن مريض ومن ثم لن يكون مُضطرًا للذهاب إلى العمل وإنفاق ثلث يومه في القيام بمهمات تافهة لا طائل منها، وعوضًا عن ذلك سينكب بكليته على الكتابة، وعلى إنهاء مشروعاته الأدبية التي طالما منّى نفسه بإنهائها، لكن الأمر لم يسر على هواه، فقد كان تطور المرض سريعًا للغاية، كما كانت مضاعفات وتأثيرات العلاج الكيماوي منهكة له روحًا وجسدًا.

يكتشف ذلك فيعدّل خطته سريعًا لتكون: “معارك صغيرة منظمة، انتصارات شخصية تافهة، الطريقة المثلى للاستمرار في المكافحة” لا غرابة في هذا، طالما فهمنا أن “كـ” يسعى للتميز حتى ولو بالسرطان.

هذا بطل مريض وجد شفائه في الكتابة وإليها هجعت روحه، بيد أن مرضه لم يعطه الفرصة ليكتب، لكن حبه للأدب ربما هوّن عليه مرارة التجربة بعض الوقت، إذ أنه أحيانًا كان يبحث عن التجارب الروحية أو الالآم ــــ حتى وإن كان مسببها السرطان ـــــ ليظفر في النهاية بفكرة يكتبها فتصير تحفته الأدبية على غرار ما كتب “هيمنجواي” أدبه بعد الفجائع التي عايشها خلال حياته.

مريض باللوكيميا ثم انتقال السرطان إلى الكبد مع مضاعفات كثيرة ودرامية.. كل هذا ربما يكون عاديًا نظرًا لتكراره، إلا أن الجديد هنا هو عناد هذا البطل وكبريائه، فعلى الرغم من فداحة مرضه إلا أنه لم ييأس بل عاند مرضه والآخرين والحاجة إليهم.

“امتنعت طوال الأسبوع الأول عن طلب أي مساعدة من الآخرين؛ من المذهل تصور كمية الأشياء التي قد أرغم نفسي على المرور بها فقط كي لا أحتاج لأحد”.

أعجبني في هذا البطل عناده ولا مبالاته حتى بسرطانه، وحسه الفكاهي في أشد لحظات الألم وجعًا وضراوة، هكذا يجب أن تُعاش الحياة، فهذه الطريقة في العيش لا يستطيعها إلا كبار الهمة عظماء الإرادة.

كمخلوق ساخط على البشر والحياة الاجتماعية بشكل عام تصور أن المرض حريته، فكونه مريض سيعفيه من العمل ومن الكدح خلف لقمة العيش، فالشركة التي يعمل بها ستتكفل بنفقات علاجه وإن اضطر سوف يتقاعد إجباريًا، المهم أن علاجه مضمون ولو لفترة محدودة، كما أن حالته المرضية سوف تمكنه من التخلص من كل من لم يرغب فيه من البشر، وهو يمقت البشر جميعًا، كما أنه فكر لنفسه أن هذه التجربة المرضية ستتيح له الفرصة أن يتصرف وفق هواه وحسبما يريد.

لكن وإن كانت فكرته عن المرض صبيانية، فهل تتصور أن مريضًا باللوكيميا سيكون حرًا؟!، فالتخلص من أعباء الحياة سيحل محله ألم المرض وتبعاته، فهي استراتيجية عيش معتبرة، ويمكن الوثوق بها إلى حد ما، فما الذي يفيدنا من المبالغة في كل شيء؟!

لقد ورث “كـ” وأخوه، أيضًا، عن والده كلمة واحدة ــــ ويبدو أنها صارت له دستورًا فيما بعد ــــ وهي “لا تبالغ”، فلم يكن الرجل يبالغ في كل شيء، حتى عندما أخبره الأطباء أن “الكيمو” لم يقض إلا على 40 % من الخلايا السرطانية في حين كان من المتوقع أن يقضي على 90 % منها، وأنه من المقترح أن يتم نقل خلايا جذعية له، ورغم كل ذلك لم يكن يبالغ، بل ورفض نقل الخلايا الجذعية من شقيقته، نظرًا لكونهما لم يكونا على وفاق منذ الطفولة، إلى هذا الحد يبلغ به العناد والتمرد!

ظلت آليته السردية كما هي طوال الرواية، فهو المريض والراوي معًا، ولا أسماء لشخصيات الرواية بل أوصاف فهذا “ربطة العنق” وهذا “الديك” وهذا “اللغد”، أمي، أخي، جدي، الخادمة، وربما هذه الأوصاف التي خلعها على بعض الناس تنم عن سخطه على الجميع واحتقاره لهم.

لم يُنه الرواية بموته، وإلا كان سيضطر إلى تحويل الاستراتيجية السردية من حاكٍ إلى محكيّ عنه، وكان هذا ـــــــــــ في نظري ــــــــــــ سيعد انتقالًا مفاجئًا، يُضعف الميكانيزم السردي، كما أنه ختم روايته بكمة يابانية ” مونو نو أوير” التي تعني “الأسى العذب على موت الأشياء”، وهي خاتمة مناسبة تمامًا، فالذين يعاندون لا يموتون و”كـ” لم يمت.

الرابط المختصر :

close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

بواسطة
محمد علواني
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى