يعتبر الباراسيتامول، (Paracetamol) أحد أكثر الأدوية شيوعًا واستخدامًا في العالم لتسكين الآلام وخفض الحرارة، وهو متوفر في معظم المنازل كعلاج آمن عند استخدامه بالجرعات الموصى بها. ومع ذلك، تتحول هذه المادة إلى سم فتاك عند تجاوز الجرعة المسموحة، حيث تصبح السبب الأول للفشل الكبدي الحاد في كثير من الدول.
ماذا يحدث داخل الجسم عند تجاوز الجرعة؟
في الحالات الطبيعية، يعالج الباراسيتامول أمراض الكبد ويتخلص منها بأمان، لكن عملية التمثيل الغذائي تنتج كمية ضئيلة من مركب سام يعرف بـ (NAPQI). يقوم الجسم فورًا بتحييد هذا السم بواسطة مادة تسمى جلوتاثيون، (Glutathione). أما في حالة الجرعة الزائدة، تنفد مخازن الجلوتاثيون تمامًا، ما يؤدي إلى تراكم المادة السامة وبدء تدمير خلايا الكبد. هذا التدمير قد يتطور إلى فشل كبدي كامل في غضون أيام قليلة. ما قد يؤدي للوفاة إذا لم يتم التدخل الطبي السريع.

الدوافع والتحذيرات
تحدث الجرعة الزائدة لأسباب متعددة، منها ما هو ناتج عن محاولات إيذاء النفس، ومنها ما يقع عن طريق الخطأ؛ مثل تناول الأطفال لشراب الباراسيتامول لمذاقه المستساغ، أو تناول البالغين لأدوية متعددة (مثل أدوية البرد والإنفلونزا) دون إدراك أن جميعها يحتوي على الباراسيتامول.
ويجب ان نعرف أن الحد الأقصى للبالغين هو 8 أقراص (بتركيز 500 ملغ) خلال 24 ساعة. تجاوز هذا الحد، خاصة لمن يعانون من سوء التغذية أو أمراض الكبد المزمنة، يرفع خطر الإصابة بالتسمم بشكل كبير.
أعراض مضللة وتطور خطير
تكمن خطورة تسمم الباراسيتامول في أن المصاب قد لا يشعر بأي أعراض في اليوم الأول، أو قد تقتصر الأعراض على الغثيان والقيء البسيط. ومع مرور 24 ساعة، تبدأ علامات تلف الكبد بالظهور، وتشمل:
- ألم في الجانب الأيمن العلوي من البطن (موقع الكبد).
- اصفرار الجلد وبياض العين (اليرقان).
- الارتباك والتشوش الذهني نتيجة تأثر الدماغ (اعتلال دماغي).
- انخفاض مستوى السكر في الدم، وفشل الكلى في الحالات المتقدمة.
التشخيص في المستشفى
عند وصول المريض للمستشفى، تجرى فحوصات دقيقة تشمل:
- قياس مستوى الباراسيتامول في الدم: لمعرفة مدى خطورة الحالة وتحديد وقت بدء العلاج.
- اختبارات وظائف الكبد والكلى: لمراقبة التلف الحاصل.
- فحص تخثر الدم (Prothrombin Time): وهو المؤشر الأدق والأسرع لمدى تضرر الكبد.

العلاج
العلاج الأساسي والفعال هو مادة “إن-أسيتيل سيستين” (N-acetylcysteine – NAC)، وتعطى عادةً عبر الوريد. يعمل هذا العلاج على استعادة مستويات الجلوتاثيون وحماية الكبد من السموم.
- عامل الوقت: تبلغ الفعالية القصوى للعلاج عند إعطائه خلال 8 ساعات من تناول الجرعة الزائدة.
- الحالات المتأخرة: إذا وصل الكبد إلى مرحلة الفشل غير القابل للإصلاح، يصبح زراعة الكبد العاجلة هي الخيار الوحيد لإنقاذ حياة المريض.
كلمة أخيرة للجوهرة
التسمم بالباراسيتامول حالة طبية طارئة تتطلب التوجه فورًا للمستشفى، حتى في غياب الأعراض. إن الوعي بالجرعات المسموحة وقراءة مكونات الأدوية بعناية هما خط الدفاع الأول للوقاية من هذا الخطر المحدق. وفقًا لـ patient.



















