أسرة ومجتمع

صبحة بغورة تكتب: ملامح فارس أحلام المراهقات

بعد بلوغ الفتاة سن الحلم ودخولها مرحلة المراهقة، تنتابها عواطف شتى لا تدري بداية ما هيتها، ثم تميل بعد أن تدرك سر الحياة إلى أن تختلي بنفسها وتعيش لحظات خاصة ممتعة وسرية مع عرائس خيالها في عالم ترتسم فيه أحلى الملامح الهلامية لشبح الشباب، واستحضار أفضل المواصفات التي تريدها في فتى الأحلام أو عريس المستقبل أو شريك العمر.

ويحلو للكثير من الفتيات التحدث عن شريك الحياة في المستقبل، كيف تتصوره وماذا تأمل منه، والحديث الجاد حول هذه المسألة عادة لا يتعدى حدود اثنين أو ثلاثة فتيات على الأكثر، ويميل حديثهن إلى ما يقرب الهمس الباسم الذي يغلب عليه الحياء بشكل كبير، ولا يكون غالبا حديثًا ناضجًا وعن وعي كامل.

كما يكون الحديث عن شريك الحياة، موضوع محبب إلى نفوس الفتيات يتحلقن متقاربات في مجموعة يبدأ النقاش بينهن هادئًا محتشمًا ويحرصن على أن لا يسمعهن أحد، ثم ما يلبث أن يتحول إلى جدال عقيم بصوت مرتفع تغلب عليه الانتقادات الحادة وعبارات السخرية من طبيعة تفضيل الشخصيات والاستهزاء من الاختيارات، وسرعان ما تنشب الخلافات والشجار بينهن؛ إذ تدعي كل واحدة منهن أنها الأعلم والأكثر دراية بمثل هذه الموضوعات الحساسة، انطلاقًا من وضعها الاجتماعي وعلاقات أسرتها المتشعبة.

عموما نسمع الكثير من الفتيات يعبرن عن ما هو مرسوم في خيالهن فقط، فتركز بعضهن على جمال الشكل، وأخريات يتمنين توفر الثراء والجمال معًا.

ونلاحظ أن الفتيات ما بين سن 14 و17 سنة، يحلمن بزوج بمواصفات خاصة كأن يكون وسيما، طويل القامة، عريض المنكبين، متحررًا فكريًا وغير متزمت، حاصل على شهادة جامعية ويفضل أن يكون أديبا أو شاعرًا يكتب لها القصائد ويجيد التغزل بها وبجمالها، ولا يتردد في التعبير دائما عن حبه لها وهيامه بها، أو ممثلًا أو كثير الشبه بأحد الممثلين المفضلين لها، رومانسيا رقيقا في التعامل وصوته جميل حتى يغني لها .

ويرى فريق آخر منهن، ضرورة أن يكبرها بثلاث إلى خمس سنوات على الأكثر وأن يرتدي ملابس سبور وينفرد بتسريحة شعر مميزة، مرح ومحب للرحلات والسفر ولديه سيارة، والفتاة من هذه الفئة تهوى قضاء العطلة في بلد ما وأن يحترم شريك حياتها شغفها بالتنقل من دولة لأخرى للتعرف على العادات والتقاليد، وتميل كثيرًا لمن يملك يختا حتى تسافر معه بحرًا ليعيشا معا في جزيرة نائية مثل الأفلام.

ويشدد فريق آخر من الفتيات، على أن يكون مستقلًا في المسكن عن أهله، ميسور الحال ليقتني لها ما تحلم به من المجوهرات لتتزين بها، محبا للموسيقى والحفلات وأجواء المرح والصخب، كريما سخيا لا يحاسبها على المصروف أو على ما تشتريه من الملابس الغالية، والفتاة من هذه الفئة ترى أن الحب وحده لا يكفي ولا يمكن لها أن تقبل بشخص لا يستطيع أن يؤمن لها رغد العيش ويوفر لها الحياة التي اعتادت عليها في أسرتها، وتتمسك بفكرتها أنه ليس أمامها إلا حياة واحدة وعليها أن تعيشها بأجمل صورة.

ويعبر فريق آخر عما يجول بالخاطر بقدر أكبر من الوعي المبكر؛ حيث تشترط الفتاة أن يكون من أصل طيب وأن يتمتع بأخلاق حميدة وألا يمنعها من مواصلة دراستها الجامعية أو يعيق طموحها لنيل شهادة الدكتوراه مثلا، لذلك ترى أهمية أن يكون هو أيضا حاصلًا على شهادة علمية موازية في المستوى لشهادتها لكيلا يشعر بغيرة كونها متفوقة عليه، ولدى هذه الفئة من الفتيات قناعة بأن عقل المرأة أكثر نضجًا من عقل الرجل حتى لو كان في مثل عمرها.

انتهاء مرحلة المراهقة، تعني الكثير بالنسبة للفتاة؛ حيث تنتقل صفات الشريك المحلقة في الخيال إلى الاقتراب تدريجيًا إلى الواقع، فنرى أن الفتاة نفسها قد غيرت الكثير من رأيها بفعل غلبة اتساع أفقها ووعيها الاجتماعي ونمو مستواها الثقافي، فتراها تتراجع عن الكثير من المواصفات بفعل إدراكها الناضج وتأثرها بطبيعة واقع العيش وحقائق أمور الحياة.

وللتطور الاقتصادي والاجتماعي دور كبير في إحداث التغير السريع في نمط تصور الفتيات لزوج المستقبل، ومثل هذا التطور يعدل كثيرًا من المواصفات “القياسية” التي وضعتها المراهقات؛ حيث تميل الخيارات بعد ذلك للعودة إلى التمسك بالمواصفات التقليدية بشكل عام خاصة من جانب الفتيات الأكبر سنا بما يتلاءم مع نضجهن ومستوى فهمهن لالتزامات الحياة الزوجية، وهذه الفئة تحدد تصوراتها بمعزل عن الجوانب المادية؛ حيث يكون التركيز أكثر على رجال يستطيعون أن يوفروا الأمن والعيش الكريم ويؤمنوا الحماية والاستقرار الأسري.

ليس شرطًا أن يكون تقدم الفتاة في العمر هو السبب الرئيسي والمباشر في تغيير الكثير من الصفات التي سيطرت على مخيلتها وفرضت طبيعتها على آرائها بشأن زوج المستقبل، ونقلتها إلى المستوى الأقرب إلى التنازلات بدعوى خوف الفتاة من أن يفوتها قطار الزواج وتصبح رقمًا في فئة العانسات، بقدر ما للأمر من علاقة وثيقة بمستوى النمو الفكري وبمدى الوعي الاجتماعي للفتاة، وسيكون للمستوى التعليمي تأثيره البالغ في تهذيب التصورات وتعديل الطموح نحو ما هو مقبول في الواقع الفعلي المعاش.

إن كل ما يطرأ من تغييرات فسيولوجية سواء على الفتيان أو الفتيات في سن البلوغ، تنعكس على شخصيتهم وتفكيرهم وسلوكهم، وأحلامهم وهي من طبيعة الأشياء وهي الفطرة التي فطرنا الله تعالى عليها بالميل إلى الجنس الآخر، نراها تبدأ عند بوابة الخيال الذي يستهلك المعايشة البدائية معه والتفكير الساذج به والاستمتاع باستحضار السعادة المفقودة قبل تجسيدها ميلا شرعيا ناضجا على أرض الواقع، أما الأحلام التي رسم نسيمها الرطب خارطة الحياة الفطرية عندما صادفت إرادة مشبعة بالوعي فرضتها.

صبحة بغورة
متخصصة في كتابة المقالات السياسية والقضايا التربوية

اقرأ أيضًا: صبحة بغورة تكتب: صراع التربية بين هدوء الخلاف وحدة الاختلاف

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى