مراحل حياةتحت العشرين

دكتورة رانيا يحيى تكتب: الطفل ومهارات الإبداع

تُعد تنمية المهارات الإبداعية من الأولويات التي يجب الاهتمام بها على المستوى المحلي والدولي؛ لإخراج كوادر بشرية لديها عقل واعٍ متطور يبحث دائمًا عن الجديد ويفكر خارج الصندوق بشكل غير تقليدي، وعندما نتحدث عن الإبداع يجب أن نُعرّف الكلمة لغويًا وهو مشتق من الفعل “يبدع”؛ أي يأتي البديع أو يوجد من عدم، بمعنى يأتي بجديد من العدم؛ ولهذا يقال إن الإبداع هو إحداث شيء على غير مثال مسبوق.

وتُعتبر مشكلة الإبداع الفني من أعمق المشكلات؛ حيث ترتبط بالأعمال الدفينة للفنان والتي ينبثق عنها عمله الفني، كما أنها تمثل أهم مسائل الفن؛ باعتبار أن الإبداع ابتكار ينم عن أصالة تنم عن عبقرية تكشف عن عظمة هذا المبدع، وتعتبر مسألة الإبداع الفني هي المرحلة التمهيدية لدراسة التذوق الفني على أسس سليمة؛ حيث تُعد دراسة الفعل أو التعبير المبدع شرطًا أوليًا للتذوق الفني، وهو محور العلاقة بين المبدع والمتلقي.

تنوعت الدراسات حول مشكلة الإبداع بين الدراسات التاريخية التي تتعقب الآراء المتتالية للفنانين، والدراسات الوصفية التي تكتفي بوصف الإبداع الفني في مظاهره الخاصة، والدراسات التصنيفية التي تركز على تصنيف عمليات الإبداع، والدراسات التفسيرية التي تحاول أن تصل إلى مستوى النظرية عن طريق المنهج الفلسفي النظري أو المنهج العملي التجريبي، وتشمل: نظرية الإلهام أو العبقرية، والنظرية العقلية، والنظرية الاجتماعية، والنظرية السيكولوجية؛ ما يؤكد أن الإبداع ما هو إلا نتاج واقع اجتماعي وظروف وعادات وتراث وتقاليد، مرتبط بالإلهام والعبقرية والظروف الاجتماعية والسيكولوجية.

مهارات الإبداع
د. رانيا يحيى

وفى مجتمعاتنا العربية نحن في حاجة ماسة للاهتمام بفلسفة إبداع الطفل، والتي تستند على سيكولوجيا الطفل؛ ولكى يتم تحديدها فهي مهمة شاقة؛ حيث لم تُدرس الطفولة دراسة سيكولوجية منظمة إلا ابتداء من النصف الثاني من القرن الثامن عشر؛ من أجل تأسيس نظم جديدة للتربية تحترم خصائص الطفولة، وأمضى “جان بياجيه” حوالي أربعة عقود في دراسة فكر الطفل الصغير وهو عنوان الفصل الثاني من كتابه “ستة أبحاث سيكولوجية”، ورغم هذه الفترة الزمنية الطويلة إلا أنه أقر بعدم إمكانية تغطية هذا المجال برمته.

ولم تتسع دائرة دراسات سيكولوجيا الطفل إلا في القرن العشرين، وعندئذ تأسس علم نفس الطفل على يد أبرز مؤسسيه جان بياجيه وهنري فالون. وهنا نقف عند تعريف الطفل المبدع، فهو الطفل القادر على تجاوز الوضع القائم إلى وضع قادم من خلال تأسيس وتحقيق رؤى مستقبلية تحدث تغييرًا في الواقع من خلال مسار لا نهائي، وبدقة أكبر: هو القادر على ربط الخيال بالمستقبل وليس بالماضي، والإلحاح على المستقبل ضروري لسبب رئيسي هو تغيير الواقع وهو شرط جوهري من شروط الإبداع.

وقابلية تحقق الرؤية تضمن دوام الإبداع وتُحوله إلى أسلوب حياة وأسلوب تفكير حتى يصل الطفل إلى مرحلة النضج، وهنا يتحقق الإبداع ويكون الشخص قادرًا على ممارسة إنسانيته من خلال تأسيس رؤى مستقبلية وتحقيقها. وعليه فإن الخيال هو الوسيلة لتحقيق الإبداع وتأكيد فاعلية العقل، وينتج عن هذه الممارسة ما يسمى بالرؤية المستقبلية، وبالتالي القدرة على تحقيقها، وتأسيسًا على ذلك يكون الإنسان مبدعًا.

مهارات الإبداع

ويحذر العلماء من ملء عقول الأطفال بالمعلومات حتى لا تخنق الإبداع وهو ما نعانى منه في أساليب التعليم بمجتمعاتنا؛ حيث الاعتماد على التلقين، فهناك تناقض كبير بين ثقافة الذاكرة التي تعتمد على الحفاظ على الوضع القائم لتنتهي بالثبات عند الماضي، وثقافة الإبداع التي تتجاوز الوضع القائم إلى وضع قادم؛ أي رؤية مستقبلية.

وبالتالي يجب ألا نكتفي بثقافة الذاكرة حتى لا نخنق الإبداع. وتم اقتراح أن المقررات المدرسية في أماكن مثل إفريقيا ودولنا العربية تحتاج لأن تُوجه نحو التربية التي تنشئ الأطفال وتعدهم للمشاركة المسؤولة في أنشطة اجتماعية واقتصادية مقبولة ومقدرة، بما في ذلك التدريب على المسئولية والأداء المعرفي.

فالعقل المبدع إذن يُعرّفه الفيلسوف والمفكر مراد وهبة بأنه القادر على تكوين علاقات جديدة من أجل تغيير الواقع، وتأسيسًا على ذلك فهو يرى ضرورة لإعادة النظر في النسق التعليمي القائم والذي يستند إلى ثلاثية التلقين والتذكر والذكاء؛ إذ يعني بتلقين الحقيقة من جانب المعلم، وتذكر الحقيقة من جانب الطالب وعليه نشأت اختبارات الذكاء.

وبالتالي فإن هذا النسق ليس صالحًا للبقاء في إطار رباعية المستقبل، وإذا كانت هذه الرباعية لا تستقيم إلا بالإبداع فإنه لزامًا علينا تأسيس نسق تعليمي جديد للطفل يقوم على الإبداع وليس على الذكاء وبالتبعية لا يقوم على التلقين والتذكر. وعليه يجب الاهتمام بالأجيال الناشئة من الأطفال وتربية نسقهم التعليمي على التفكير المبدع في إطار مفاهيمي يليق بالمستجدات المعاصرة ويبتعد عن التقليدية، والأساليب الرجعية في التعلم والتي لا تتوافق مع عصر التكنولوجيا والرقمنة الحديثة؛ لصنع إبداع حقيقي نابع من سمات الشخصية الطفولية بما تحمله من براءة وإبداع فطري يعتمد على التجديد والابتكار.

وفي هذا السياق، يتبادر للذهن سؤال غاية في الأهمية: هل هناك معوقات لهذا الإبداع عند الطفل؟ والإجابة: بالفعل توجد بعض المعوقات أو المحرمات الثقافية أحيانًا؛ منها: نسق القيم المتزمت الذي يحافظ على الوضع القائم ويسعى الطفل المبدع إلى تغييره، ومن شأن نسق القيم المتزمت كبت الخيال وانحسار الإبداع. أيضًا قد تكون القيم الاجتماعية نافية لانطلاق إبداع الطفل، مثل قيمة الطاعة بمفهومها السلبي والانصياع الكامل لسلطة الكبار.

والأكثر خطورة من هذا وذاك هو وضع حد لتساؤلات الطفل وحرمانه من الدهشة والفكر الناقد في مجالات كثيرة، ما يؤدي إلى قتل الإبداع. إذن يتبقى لنا أن نناشد المسؤولين بالاهتمام بالطفل في مراحل تنشئته المختلفة، وأن نضع الإبداع هدفًا رئيسيًا لأطفالنا للارتقاء بفكرهم وحرياتهم ومن ثم عقولهم التي تتمرس على ثقافة الإبداع لتتجذر في الشخصية وتصبح منهاجًا للحياة لننهض بمجتمعاتنا للأمام.

اقرأ أيضًا: رانيا يحيي على المسرح الصغير بدار الأوبرا في هذا الموعد

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى