حوارات

الفنانة السعودية غدير حافظ: لدينا حركة تشكيلية واعدة تجعل من شوارع المملكة مُتحفًا فنيًا

لم تكن الموهبة وحدها كافية لفعل شيء ذي أثر، بل لابد من إيمان راسخ بهذه الموهبة وجدواها يسندها ويقويها، وغدير حافظ؛ الفنانة التشكيلية السعودية، ذات الصيت الدولي لا تميزها موهبتها فحسب؛ بل إيمانها برسالة الفن، ورغبتها في نشر ثقافته في جنبات الأرض وليس في حدود عالمنا العربي فقط.

وصلت “غدير” إلى مناطق نائية من العالم، وتحملت وعثاء السفر، ليس لشيء إلا لنشر الفن وثقافته، آمنت بالإنسان فكان أسطورتها الخاصة، لكنها انحازت للأنثى فهي امرأة ولكن بهوية رجل، على حد قولها.

قليلون هم أولئك الذين يحدوهم الشغف ويحركهم الإيمان بمواهبهم، للذهاب إلى أقصى بقعة في العالم فقط؛ لنشر النور والرقي والثقافة، وللتعرف أكثر على رحلتها في عالم الفن التشكيلي، التقت “الجوهرة” بالفنانة السعودية غدير حافظ، وكان لنا معها هذا الحوار..

مثلّت المملكة في 6 دول أوروبية وحصلت على اعتماد دولي

في البداية، دعينا نتعرف على غدير حافظ الإنسانة؟

غدير حافظ، مواليد المدينة المنورة ١٩٧٨م، أم لأعظم ولدين في العالم “حسن ويزن”، خريجة فنون تشكيلية قسم خزف ومعدن، عملت كمعيدة بالجامعة، ثم افتتحت معهدي الشخصي “إبداع الغدير للفنون”؛ لتعليم السيدات، وهو حاصل على المركز الأول على مستوى المملكة في مجال الفنون التشكيلية على المستوى التعليمي.

مثّلت المملكة في ٢٥ دولة حول العالم، وكنت أول سعودية تمثل المملكة في ستة دول أوروبية، هي: “كوسوفو، البانيا، فرساي، مقدونيا، فيينا، كوريا”، بالإضافة إلى حصولي على الاعتماد الدولي للمدرب المحترف كأول سعودية تحصل على الاعتماد في مجال الفنون من المركز العالمي الكندي.

أحمل رسالتي الفنية للعالم وأحارب كل القيود

وكيف كانت بدايتكِ مع الفن؟

لم تكن بداياتي سهلة بحال من الأحوال، فمنذ الصغر وأنا أحب الفنون وأعشق الإبداع وغرائب التراث، ولم تكن عائلتي، من جهتها، تمانع دعمي وتأييدي، وفي المرحلة الثانوية عززت حبي للفن معلمتي، ثم التحقت بالجامعة، وأكملت دراستي الأكاديمية، وحصلت على عدة شهادات شكر، ودروع لتميز أعمالي أثناء دراستي الأكاديمية، ثم عُينت معيدة بالجامعة، ولم يعجبني الاستمرار بالتعليم، فأسست معهد إبداع الغدير للفنون، ووضعت مناهجه من خلال خبرتي الفنية ودراستي الأكاديمية، بعد ذلك انطلقت للعالم حاملة رسالتي، محاربة كل القيود التي تعيق حراك الفن للمرأة.

مارستِ الكتابة والفن معًا، كيف تنظرين إلى هذه التجربة؟

تجربة رائعة وفريدة من نوعها؛ فحينما يمتزج الفن التشكيلي بفيض الكلمات يصبح له مذاق ممتع للغاية، يأخذك لعالم آخر يجعل الجماد يتكلم، وهذا ما صنع من خيالات الفن حكايات؛ فعالمي لم يكن عالم حقيقي بل كان تأملات وتصورات من وحي الخيال، ولكني بالإصرار جعلته واقعًا لكل من يقرأ كتاباتي.

وافقت على الانضمام للمركز العالمي الكندي لحرصي على إفادة الآخرين

أنت الفنانة السعودية الوحيدة المعتمدة دوليًا، كيف حققتِ هذا الإنجاز؟

بفضل الله أولًا ثم بمشاركاتي الدولية، وورش الرسم التي أقمتها في عدة دول بناءً على منهج تعليمي أسسته من خلال دراستي وخبراتي الفنية، لم أكن يومًا أسعى لهذا الإنجاز، ولكن تم متابعة حساباتي على السوشيال ميديا من قبل المستشار الدكتور ماهر زغلول الذي تفاجأت بمهاتفته، وإبلاغي بخبر انضمامي لهم كمدرب معتمد.

في البداية، لم أهتم، ولكن بعد تفكير وجدت أن ذلك سيعود بالفائدة على طالبات معهد “إبداع الغدير للفنون بجدة” من بنات وطني، وسيحصلن ـ من خلال تعلمهن تحت إشرافي ـ على شهادات دولية معتمدة من المركز العالمي الكندي، بناءً على اعتمادي، فقررت الموافقة على الانضمام لهذا الصرح العظيم من المدربين؛ وذلك لحرصي الشديد على إفادة الآخرين.

فني يسعى لنشر الإنسانية وأركز كثيرًا على المرأة

ما هي الرسالة التي يحملها فنك؟

فني يسعى دائمًا لنشر الإنسانية التي محاها الزمن، بسبب الضغوط الاجتماعية والحروب والظروف القاسية التي نعاني منها كبشر، فأنا أصف الإنسان في لوحاتي بشكل عام، وأركز كثيرًا على المرأة وتحديدًا المرأة المسلمة التي أعطاها الله حقها في كتابه، وسلبها المجتمع الذكوري الكثير من حقوقها كأنثى.

فني يرسمني وعندما أبدأ العمل أعاني من “حشرجة الرسم”

ترسمين فنك أم يرسمك هو؟ أعني ما هو سر إلهامك؟ كيف تأتي الفكرة؟ ومتى تُقررين الرسم؟

أنا لا أرسم فني، بل هو الذي يتحكم بي؛ فعندما أقرر البدء برسم لوحة ما أكون في حالة غريبة من التيه اسميها “حشرجة الرسم”، أصاب بحالة عدم التركيز والعصبية، وأشعر أنني احتاج لوحدتي، وألا يرافقني بشر سوى ألواني ولوحاتي وبعض أنغام الموسيقى، وحينها يأتي لزيارتي طيف لوحاتي “سوبرمان”، فهو الإلهام الذي يدفعني للرسم، والإبداع طيف يداعب خيالاتي ويطير بي لعالم الخيال، حينها تولد اللوحة واستشف أركانها.

لا أهتم بواقعية الموضوع

يقع الإنسان في قلب عملكِ وهو أسطورتكِ الخاصة، ماذا يقدم فنك للمجتمع؟

فني يناقش القضايا الإنسانية بشكل عام، ويناقش مشاعر الإنسان سواءً كانت مشاعر على أرض الواقع أم مشاعر في عالم الخيال، وأتحيز لرسم الأنثى؛ فأنا أنثى ولكن بهوية رجل لذاك لا أهتم بواقعية الموضوع بل أرسم اللوحة كما يأتيني الإلهام، لذا تترك لوحاتي أثرًا جميلًا في نفس المتلقي، إذ إنني ابتعد عن القشور في العمل، واتجه للمضمون رأسًا؛ فهذا هو ما يهمني.
لوحاتي واضحة المواضيع، غامضة التفسير والمعنى، فهي تُحلق دائمًا في عالم الخيال.

أسست “معهد إبداع الغدير” لتأسيس كوادر نسائية لفهم أبعاد الفن التشكيلي

أسستِ عام 2007 معهد إبداع الغدير للفنون، ماذا كان الدافع من وراء تأسيسه؟

أطمح لنشر الوعي الثقافي والفني من خلال هذا المعهد، وأهتم بإيصال رسالة الفن التشكيلي للمجتمع؛ فالعديد من البشر في العالم العربي لا يعون أهميته بل ولا يتذوقونه، ويعتقدون أن النقل من الواقع هو الإبداع، بينما الأمر عكس ذلك تمامًا، ولهذا أسست “معهد إبداع الغدير”؛ لتوعية وتأسيس الكوادر النسائية لفهم أبعاد الفن التشكيلي، وقريبًا سأفتح المجال للرجال أيضًا.

لوحاتي جسدت الكثير من قضايا المرأة

وهل ترين أن الفن هو الوسيلة المثلى لحل مشكلات المرأة العربية؟

نعم هو كذلك، ليس للمرأة العربية وحدها بل المرأة بوجه عام؛ فالمرأة في كل مكان هي المرأة، كائن مسؤول ورقيق، وهي أم وأخت وزوجة وابنة وصديقة وحبيبة، فإن تم وصفها بشكل جيد، سيعي العالم كيف يتعامل معها بشكل راقي يليق بأنوثتها، ويلبي حقوقها التي منحها لها ديننا الإسلامي؛ فالحرية من حقها أما التحرر فهو ضدها، الاحترام من حقها أما الإهانة فهي ضدها، الحب من حقها أما اهانتها فهي ضدها، الحنان والعطف من حقها أما العنف فهو ضدها، الثقة تناسبها أما الشك يدمرها، فالكثير والكثير من المعاني جسدتها عن المرأة في لوحاتي، فأنا مؤمنه أن العالم هو “رجل وامرأة وصلاح العالم بصلاح المرأة”.

وقال الله تعالى “وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً”، فأنا أتحدث عن المودة والرحمة بكل ما تحويانه من معانٍ.

المملكة تملك حركة تشكيلية واعدة

ثمة حركة تشكيلية سعودية صاعدة، كيف تنظرين إليها؟

أتابع هذه الحركة عن كثب، وأثق أنها ستعمل على الارتقاء بالذوق العام، ورفع مستوى الأدب والرقي في التعاملات السلوكية، وهذا يهمني جدًا، وهو من أهدافي لنشر الفن، وأرى أن هذه الحركة ستجعل من شوارع بلادي متحفًا فنيًا؛ فلدينا مواهب ممتازة بالمملكة، ولكن ينقصها التعليم والتأسيس بشكل صحيح.

وأخشى ما أخشاه أن يبقى زمام الأمور بيد من لا يملكون الكفاءة في الفن التشكيلي، وذلك سيسبب فوضى، ولكن رسالتي لسيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ ـ حفظه الله ـ أن يَشد على أيدينا نحن الفنانين الذين تركنا بصماتنا حول العالم، ويدعمنا في أن تكون لنا الأولوية في تقييم وغربلة الساحة الفنية من متسولي الفن؛ لنرتقي بمستوى الفن التشكيلي في بلادنا.

هل تنتمين إلى مدرسة فنية معينة أم ترين الانتماء الفني قولبة للإبداع وحجر على الخيال؟

لست ضد الانتماء لمدرسة تشكيلية معينة، فالفنان دائمًا في تطور، وكلما أتقن أسلوبًا وتشبع به ذهب لآخر، وهذا ما حدث معي؛ فأنا أرسم وأمارس الفن التشكيلي منذ ٢٥سنة، وكنت أنتمي للمدرسة التعبيرية الرمزية ثم انتمت أعمالي إلى الانطباعية، والآن أصبحت تميل أكثر للفنتازيا.

أنا لا أخطط لتطوير مستوى الرسم لدي، ولكن مخزوني الداخلي يتطور بين الحين والآخر، بيد أني لست مع الفنان الذي يصر على حبس نفسه داخل إطار واحد؛ فكلما قيد نفسه بإطار واحد كلما قل الإبداع؛ فالتنوع مطلوب، والروح تظل واحدة، وهي التي تميز أعمال فنان ما عن غيره.

لدينا فنانون أقوياء لكن تنقصهم الثقافة الفنية

أين ترين الفن التشكيلي العربي على خارطة الفنون الدولية؟

من خلال خبرتي وتِجوالي في العالم، أستطيع القول إن لدينا فنانين أقوياء جدًا في رسوماتهم وإبداعاتهم وأعمالهم، وهي أعمال تُضاهي أعمال كبار الفنانين في أوروبا، ولكن ينقصهم فقط الثقافة الفنية، لذا فأنا أنادي بضرورة تثقيف الفنان بمداخل الفن التشكيلي وأسسه وطرائقه، كما أننا بالعالم العربي نفتقد اتيكيت الفن للأسف، ولكن كممارسة أجد فنانين عرب يمارسون الفن بشكل ممتاز.

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

بواسطة
محمد علواني
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق