لم تعد الشمولية خيارًا تنظيميًا إضافيًا، بل أصبحت شرطًا لنجاح المؤسسات واستمراريتها. فالمؤسسات التي تحقق أداءً قويًا اليوم هي تلك التي تتيح لأفرادها الإسهام بأفكارهم وخبراتهم بثقة، وتشعرهم بأن صوتهم مسموع ودورهم مؤثر في مسار العمل. هذا النوع من الالتزام يبنى في الأساس خلال بيئة عمل يشعر فيها الأفراد بالاحترام والتقدير والمسؤولية المشتركة. وعندما تتوافر هذه البيئة، يصبح الموظفون أكثر استعدادًا للمبادرة وتحمل المسؤولية والعمل بروح الفريق.
في جوهرها، الشمولية تعكس أسلوب قيادة يدرك أن أفضل النتائج تتحقق عندما يشعر الجميع بأنهم جزء حقيقي من النجاح، لا مجرد منفذين له. ولهذا أصبحت اليوم أحد العوامل الحاسمة في بناء مؤسسات قادرة على الأداء المستدام والتكيّف مع التغيير.
وفيما يلي مقابلة مجلة الجوهرة مع كاثلين أوكونور؛ أستاذة السلوك التنظيمي، مديرة هيئة التدريس في برامج التعليم التنفيذي بكلية لندن للأعمال في التعليم.
ما التحولات التي تدفع المؤسسات اليوم إلى إعطاء الشمولية أهمية أكبر مقارنةً بالماضي؟
أحد أبرز هذه التحولات هو ما نشهده في السعودية اليوم مع تسارع تنفيذ رؤية 2030، التي وسعت دائرة المشاركة وفتحت المجال أمام كفاءات وخبرات جديدة للدخول إلى سوق العمل والقيادة. هذا التغيير فرض على المؤسسات أن تعيد التفكير في أساليب العمل التقليدية.
كما أن بيئة العمل أصبحت أسرع وأكثر تعقيدًا، والقرارات لم تعد تُصنع من زاوية واحدة. المؤسسات التي تستفيد فعلًا من تنوع خبراتها هي تلك التي تخلق مساحة آمنة للمشاركة والاستماع.
الفكرة بسيطة: عندما يشعر الأفراد بأن آراءهم لها قيمة، يشاركون بصدق أكبر. وهذه المشاركة هي ما يصنع الفرق الحقيقي في جودة القرار واستدامة الأداء.
كيف تبدو القيادة الشاملة داخل الفرق؟
القيادة الشاملة لا تعني التخلي عن الحسم أو تقليل دور القائد في اتخاذ القرار. على العكس، هي تعني أن القائد يحرص قبل اتخاذ القرار على سماع الآراء المختلفة — حتى تلك التي لا تتفق معه.
في الفرق التي تُمارس هذا النوع من القيادة، يشعر الأفراد بأن بإمكانهم التعبير بصراحة دون خوف من اللوم أو التهميش. ويصبح الاختلاف في الرأي جزءًا طبيعيًا من تحسين جودة القرار، وليس تحديًا للسلطة.
لكن هذا الأسلوب لا يأتي تلقائيًا للجميع. كثير من القادة اليوم يقودون بطريقة مختلفة عمّا اعتادوا عليه في بداية مسيرتهم المهنية. القيادة الشاملة تتطلب وعيًا مقصودًا: الاستماع الجيد، واحترام وجهات النظر، والتعامل مع الخطأ كفرصة للتعلم وليس للمحاسبة فقط. وعندما يستمر هذا السلوك، تتغير ثقافة الفريق فعلًا — وليس شكليًا.
خلال فترات التغيير التنظيمي أو عدم اليقين، كيف تُسهم القيادة الشاملة في الحفاظ على الثقة والتماسك؟
في أوقات التغيير، أول ما يبحث عنه الموظفون هو الوضوح. وعندما يغيب التواصل— حتى لو بحسن نية— تبدأ الثقة بالتراجع سريعًا.
القيادة الشاملة تلعب دورًا مهمًا هنا لأنها لا تختفي في لحظات عدم اليقين. القادة يحافظون على التواصل، يشاركون ما هو معروف بوضوح، ويكونون صريحين أيضًا بشأن ما لم يتضح بعد. هذا النوع من الصراحة لا يُضعف القيادة، بل يعزز المصداقية.
كما أن الفرق التي اعتادت المشاركة والتعبير عن آرائها قبل الأزمات، تكون أكثر تماسكًا خلالها. لأن الثقة لا تبنى وقت الأزمة نفسها، بل قبلها.
في النهاية، الشمولية في هذه اللحظات ليست شعارًا تنظيميًا، بل أسلوب قيادة يساعد المؤسسات على عبور التغيير بثقة أكبر وتعاون حقيقي داخل الفرق.
ما السلوكيات القيادية التي تجعل الموظفين يشعرون بالانتماء الحقيقي؟
عادةً ما أطلب من القادة أن يتذكروا لحظة شعروا فيها هم أنفسهم بالانتماء داخل فريق عمل. ما الذي فعله مديرهم حينها؟ الإجابات تتكرر دائمًا تقريبًا: استمع إليّ بجدية، وثق بي ومنحني مسؤولية حقيقية، خصص وقتًا عندما احتجت إليه، وقدر مساهمتي أمام الآخرين، وتعامل معي باحترام.
هذه ليست خطوات معقدة أو برامج تنظيمية كبيرة. هي ممارسات يومية بسيطة، لكنها تصنع فرقًا واضحًا في شعور الأفراد بقيمتهم داخل الفريق.
وعندما يشعر الموظف بأن صوته مسموع ودوره محل تقدير، يتحول الانتماء من فكرة عامة إلى تجربة ملموسة تنعكس مباشرة على مستوى الالتزام والأداء.
كيف يمكن للقادة معالجة مقاومة الشمولية بشكل بنّاء دون إحداث مزيد من الانقسام؟
في كثير من الحالات، لا تأتي مقاومة الشمولية من رفضها بحد ذاتها، بل من سوء فهم لما تعنيه. البعض يعتقد أنها تعني تفضيل فئة على أخرى، بينما هي في الواقع تتعلق بضمان أن يشعر الجميع بأن لهم دورًا وقيمة داخل المؤسسة.
دور القائد هنا هو إعادة توجيه النقاش نحو الهدف المشترك: كيف نخلق بيئة عمل يستطيع فيها كل فرد أن يسهم بأفضل ما لديه؟ عندما تُطرح الشمولية بهذا الشكل، تتحول من موضوع حساس إلى جزء طبيعي من تطوير الأداء والعمل الجماعي كما أن الوضوح مهم.
الشمولية لا تعني استبعاد أحد، بل توسيع دائرة المشاركة وتعزيز احترام الجميع. وعندما تقدم بهذه الروح، تتراجع المخاوف ويصبح الحوار أكثر توازنًا وإنتاجية.
غالبًا ما يُرتبط دور القيادات النسائية ببناء بيئات عمل أكثر شمولًا، كيف ترين تطور دورهن في هذا المجال؟
بناء بيئات عمل شاملة ليس مسؤولية فئة بعينها، بل مسؤولية القادة الذين يمتلكون التأثير وصناعة القرار. ومع توسع حضور المرأة في مواقع القيادة داخل المؤسسات السعودية خلال السنوات الأخيرة، أصبحت تسهم بشكل واضح في تشكيل ثقافة العمل، وتقديم نماذج قيادية تعكس أساليب أكثر انفتاحًا وتعاونًا.
لكن من المهم ألا يُنظر إلى الشمولية على أنها “ملف نسائي”. التقدم الحقيقي يحدث عندما يتعامل القادة- رجالًا ونساءً- مع الشمولية باعتبارها مسؤولية قيادية مشتركة ترتبط بجودة بيئة العمل وأداء المؤسسة، لا بهوية من يقودها.
ومع اتساع قاعدة القيادات النسائية اليوم، أصبح تأثيرهن يظهر بشكل أكبر في طريقة إدارة الفرق، وتوسيع دائرة المشاركة، وبناء ثقافة عمل يشعر فيها عدد أكبر من الموظفين بأن لديهم مساحة حقيقية للمساهمة والتأثير.
ما نقاط القوة التي تضيفها القيادات النسائية إلى فرق العمل المتنوعة وبيئات صنع القرار؟ وما التحديات التي لا تزال تواجههن في قيادة التغيير الشامل؟ وكيف يمكن للمؤسسات دعمهن بشكل أفضل؟
أتلقى هذا السؤال كثيرًا، لكنني أعتقد أن صياغته أحيانًا تفترض أن للقيادات النسائية مجموعة واحدة محددة من “نقاط القوة”، وهذا ليس دقيقًا. النساء، مثل الرجال، يأتين بخلفيات وأساليب قيادية وتجارب مختلفة. السؤال الأهم ليس ماذا تضيف النساء تحديدًا؟، بل كيف تضمن المؤسسات أن يتمكن الجميع من الإسهام والقيادة على أساس الكفاءة والفرص المتكافئة؟
التحدي الحقيقي لا يزال مرتبطًا بالأنظمة المؤسسية أكثر من ارتباطه بالأفراد: كيف تُتخذ القرارات؟ كيف تُمنح الفرص؟ وكيف يتم تقييم الأداء؟
عندما تكون هذه العمليات واضحة وعادلة، تصبح القيادة الشاملة نتيجة طبيعية، لا مبادرة منفصلة. أما دعم القيادات النسائية— ودعم القيادة الشاملة بشكل عام— فيبدأ بإزالة التحيز من مسارات الترقي، وتوسيع فرص المشاركة في مواقع التأثير. ومحاسبة القادة على بناء بيئات عمل عادلة يشعر فيها الجميع بأن لديهم فرصة حقيقية للنجاح.
في النهاية، الشمولية ليست مسؤولية القيادات النسائية وحدهن، بل مسؤولية قيادية مشتركة تقع على عاتق كل من يملك دورًا في تشكيل ثقافة المؤسسة واتجاهها.
من منظور الأداء، كيف يؤثر مبدأ الشمولية في جودة عملية صنع القرار بالمؤسسة؟
ببساطة، لا توجد مؤسسة تستطيع تحمل كلفة بقاء الأفكار الجيدة غير مسموعة. كثير من أفضل الحلول تضيع عندما لا يشعر الأفراد بأن لديهم مساحة للتعبير عنها.
الفرق التي تعمل في بيئات شاملة تتخذ قرارات أفضل لأن القائد يفتح المجال للنقاش الحقيقي قبل الحسم. هذا يعني سماع زوايا نظر مختلفة، واختبار الافتراضات، والتقاط المخاطر مبكرًا — وليس فقط تأكيد الرأي السائد.
في النهاية، الشمولية ليست مسألة ثقافية فقط، بل مسألة أداء. كلما اتسعت دائرة المشاركة في التفكير، ارتفعت جودة القرار.
هل يؤدي تنوع وجهات النظر دائمًا إلى تحسين القرارات، أم أنه قد يُبطئ التقدم أو يُعقِّد الأمور أحيانًا؟ كيف يمكن للقادة تحقيق التوازن بين المشاركة الشاملة وضرورة اتخاذ القرارات في الوقت المناسب، لا سيما في بيئات العمل سريعة التغير؟
نعم، الاستماع إلى وجهات نظر متعددة قد يستغرق وقتًا أطول. لكن القرارات الجيدة نادرًا ما تكون نتيجة أسرع نقاش، بل نتيجة نقاش مناسب لحجم القرار.
النقطة الأساسية هنا هي التمييز بين أنواع القرارات. القرارات الكبيرة— التي تؤثر في الاتجاه الإستراتيجي أو الناس أو الموارد— تستحق مساحة أوسع للنقاش والاستماع إلى الآراء المختلفة. حتى لو تطلب ذلك وقتًا إضافيًا. أما القرارات التشغيلية اليومية، فغالبًا لا تحتاج إلى المستوى نفسه من المشاركة.
دور القائد هو توضيح هذا الفرق للفريق: متى نحتاج إلى نقاش أوسع لأن جودة القرار مهمة. ومتى نحتاج إلى التحرك بسرعة لأن “القرار الجيد بما يكفي” هو الخيار الأفضل. الشمولية لا تعني إطالة كل قرار. تعني استخدام المشاركة في المكان الذي تضيف فيه قيمة حقيقية.
ما الدور الذي يمكن أن يلعبه التدريب التنفيذي في مساعدة القادة على بناء المهارات اللازمة لإدارة فرق متنوعة ومتعددة الثقافات بكفاءة؟ وما القدرات التي يكتسبها القادة من خلال هذا النوع من التدريب؟ وكيف تنعكس هذه القدرات على أثر ملموس داخل المؤسسات؟
تساعد برامج التعليم التنفيذي القادة على تطوير قدرات عملية يحتاجونها فعلًا في بيئات العمل المتنوعة، مثل الإنصات الفعّال عند اختلاف وجهات النظر، وإدارة الحوارات الصعبة بثقة، وخلق بيئة عمل يشعر فيها الأفراد بالأمان للتعبير دون أن يفقد القائد وضوحه في اتخاذ القرار، إضافة إلى الحد من التحيزات التي قد تؤثر في جودة القرارات.
في كلية لندن للأعمال، تركز البرامج المفتوحة والمصممة خصيصًا للمؤسسات على تحديات القيادة الواقعية التي يواجهها القادة اليوم. ومن خلال مكتبنا في الرياض، نعمل مع قيادات سعودية على تطوير هذه القدرات بما يدعم متطلبات المرحلة الحالية من التحول المؤسسي المرتبط برؤية 2030.
وأثر هذا النوع من التطوير يظهر بوضوح داخل المؤسسات في: حوار أكثر صراحة، سرعة أكبر في معالجة التحديات. تعاون أقوى داخل الفرق، وتحسن ملموس في مستويات الأداء والاحتفاظ بالكفاءات.
نبذة عن الدكتورة كاثلين أوكونور
تعد الدكتورة كاثلين أوكونور من أبرز المتخصصين عالميًا في مجالات القيادة والتعاون والتفاوض. حيث تعمل مع القيادات التنفيذية العليا لمساعدتهم على تطوير أساليب قيادة تمكن فرقهم من تحقيق أداء أفضل في بيئات عمل متغيرة ومعقدة.
تشغل الدكتورة أوكونور منصب أستاذة في السلوك التنظيمي ومديرة هيئة التدريس لبرامج التعليم التنفيذي في كلية لندن للأعمال. وتمتد خبرتها لأكثر من عقدين في العمل مع قادة المؤسسات والفرق القيادية حول العالم.
ويركز جانب مهم من أبحاثها على كيفية بناء القادة لشبكات تأثير أكثر فاعلية، وتعزيز ثقافات عمل قائمة على الثقة والتعاون، وتحسين جودة اتخاذ القرار داخل المؤسسات.
وقد حظيت أبحاثها في مجالات التفاوض والتأثير واتخاذ القرار بتقدير واسع من جهات علمية دولية مرموقة. من بينها أكاديمية الإدارة والرابطة الدولية لإدارة النزاعات.
وتعمل الدكتورة أوكونور مستشارة لعدد من كبرى الشركات العالمية، كما تحظى بتقدير واسع بين المشاركين في برامج ماجستير إدارة الأعمال التنفيذي والتعليم التنفيذي في كلية لندن للأعمال، حيث نالت عدة جوائز تقديرًا لتميزها في التدريس. كما تعد من المؤسسين المشاركين والمديرين المشاركين لبرامج القيادات النسائية في الكلية.

















