حوار| الناقدة نوال السويلم: المملكة واجهة مشرّفة للثقافة والإبداع.. وأنصح جيل الكُتاب الجديد بتذوق الأدب العربي

هي ناقدة وأكاديمية سعودية، متعددة المواهب، فلا تعد كاتبة وأكاديمية فحسب، بل رائدة في استكشاف أعماق الأدب والفن.

تجاوزت الحدود الجغرافية بأفكارها وكتاباتها؛ ما جعلها صوتًا مميزًا يتردد في عالم الثقافة والإبداع، وبأسلوبها السلس والمميز استطاعت أن تلتقط جوانب الحياة اليومية وتحولها إلى أعمال فنية تترك بصمة في قلوب القراء؛ من خلال كتبها النقدية والأدبية، ما أتاح لهم تجارب ممتعة ومفيدة.

التقى "الجوهرة" مع الدكتورة نوال السويلم، في حوار خاص تتحدث فيه عن أعمالها النقدية والأدبية، بما في ذلك كتابها الأخير "وجوه رمادية"، وتقدم نظرة فريدة حول تطور الأدب السعودي المعاصر، كما تسلط الضوء على تحديات كتابة الأدب في العصر الحديث، ودور وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الخيارات الأدبية للكُتاب.

حدثينا عن نفسك

وُلدت في الرياض، وصدر لي العديد من المؤلفات النقدية والأدبية؛ من بينها كتاب (الأشكال الأدبية الوجيزة في فضاء تويتر)، ومجموعة قصصية عنوانها (بانتظار النهار).

كما صدرت لي مؤلفات أخرى هي: "الحوار في المسرح الشعري بين الوظيفة الدرامية والجمالية في مصر من 1961-1990م"، و"فضاءات النص"، و"الأشكال الأدبية الوجيزة في فضاء تويتر"، والمجموعة القصصية "بانتظار النهار، و"تمثلات الجسد في شعر صلاح عبد الصبور".

بالإضافة إلى "أساليب السخرية في كتاب «البئر المستحيلة» لمحمد العلي"، و"الاستلاب في المسرح التجريبي لفهد الحارثي"، وأخيرًا صدر لي "وجوه رمادية".


ما أبرز المحطات التي شكلت رحلتك الأدبية والثقافية؟

الدراسات العليا والانشغال بالبحث العلمي أبرز محطة مررت بها وقادتني -وما زالت- إلى الاهتمام بالثقافة والكتاب والقراءة؛ فلم تكن محطة علمية وحسب بل أعتبرها مرحلة حياتية خصبة وثرية معرفيًا وإنسانيًا.

منْ المؤثرون الرئيسيون في مسيرتك العلمية والأدبية؟

تشرفتُ بالتتلمذ على أيدي عدد من الأساتذة، وأدين لهم بالشكر -بعد الله- على ما قدموه لي من تعليم ودعم وتوجيه، خاصة من أشرف وناقش أطروحاتي العلمية، وللدكتور إبراهيم الفوزان –رحمه الله- أثر كبير لا تمحوه السنوات، ولا تزال كلماته المحفّزة وتوجيهاته ودعمه وتشجيعه تمنحني الثقة لأواصل، وتأثرت به معلمًا وموجهًا ومرشدًا وصديقًا في مرحلة التحصيل العلمي وما زال.


السعي لفهم ماهية العمل الأدبي يحتاج لرؤية صافية بعيدًا عن القواعد الأكاديمية.. ما رأيك؟

الهدف من القراءة واختلاف القراء يؤثران في التلقي، فقراءة الباحث والناقد منهجية تستند إلى أساس علمي وخلفية معرفية، والقارئ الذي يكتب انطباعه عن العمل ورؤيته الخاصّة يتسلح بقدر مقبول من الخبرة تؤهله لفهم العمل الأدبي وتفسيره. 

لكن إغراق النقد بالمصطلحات والتوغل في النظرية وتطبيقات المنهج على حساب النص ينتج قراءة تلوي أعناق النصوص لتثبت فاعلية المنهج.


ما الذكريات التي لاتزال عالقة في ذاكرتك من طفولتك الأدبية؟

فقرات الإذاعة المدرسية، والمكتبة المنزلية، وكتابة المذكرات واليوميات.

ما طقوس الكتابة لديكِ؟

أتعامل مع الكتابة بجدية، وأكتب في لحظة استعداد وتهيؤ ذهني ونفسي، ولا أجيد الكتابة مع ضغط العمل، وأدوّن الفكرة سريعًا حتى يحين أوان كتابتها. تتجدد الأفكار في أوقات المشي، وهي فرصة أستثمرها لأنصت لصوت أفكاري.


لكِ العديد من المؤلفات.. أيهما أقرب لكِ؟

يُقال دائمًا عن الكتب إنها كالأبناء ولا أحد يفرّق بين أبنائه، فلكل كتاب مكانة خاصة كونه يمثل مرحلة في مسيرتي العلمية، وكما يقال عن الابن البكر أنه الفرحة الأولى فكتابي (الحوار في المسرح الشعري في مصر) أول إصداراتي، وهو رسالة علمية نلتُ عليها درجة الدكتوراة، وأكثر كتاب ابتهجتُ بصدوره.

ماذا عن المشهد الثقافي اليوم في السعودية؟

المملكة واجهة مشرّفة للثقافة، وملتقى يحتضن الآداب والفنون بانفتاح واعٍ على الثقافات والحضارات. اللافت في المشهد الآن هو إحياء أجناس مهملة وفنون مندثرة، وفئات مهمّشة، والتصالح مع تيارات الأدب المختلفة باحترام للتجارب الإبداعية، وإفساح المجال لها.

وهناك حركة نشطة للفلسفة والمسرح وأدب الأطفال واليافعين والسيرة الذاتية والأدب المقارن، والهايكو وقصيدة النثر والشعر النبطي والفنون التشكيلية والموسيقية؛ فلم يعد الشعر مهيمنًا على المشهد ولم يعد الزمن زمن الرواية؛ إنه زمن الثقافة في السعودية.


حدثينا عن آخر أعمالك "وجوه رمادية"

هي المجموعة القصصية الثانية؛ إذ سبقتها المجموعة الأولى "بانتظار النهار"، وتختلف "وجوه رمادية" لأن معظم نصوصها كُتبت بين عاميّ 2022-2023، ولم أنشرها على مواقع التواصل أو الصحف، وطبعتها مطلع هذا العام.

ما الرسائل التي تسعين إلى إيصالها من خلال كتاباتك؟

أكتب عن الإنسان؛ طموحاته وخيباته وهمومه الصغيرة وانكساراته وانتصاراته، ولكل قصة رسالة ومغزى، وإجمالًا لا أتبنى قضية أنافح عنها، ولا رسالة محدّدة أدور في فلكها.

السوشيال ميديا حولت الجميع إلى نقاد.. ما رأيك؟

حوّلتهم إلى متحدثين، يتصدّون للفتوى في كل شأن، والحديث عن أي موضوع، ويتخذون من حرية التعبير والرأي ذريعة للحديث، وفيما يخص النقد لم تسهم هذه المواقع في بناء حركة نقدية جادّة، هي نشطة في عرض قضايا الأدب والنقد، وضخّ محتوى حولها يرفع من الوعي، وهناك كتاب مخلصون في كتابة محتوى أدبي ونقدي هادف وجهودهم يُشكرون عليها في توظيف التقنية لخدمة الأدب.

ولكنها لا تتجاوز هذه الوظيفة، فالمناخ الثقافي الإلكتروني لا يتقبّل فكرة الاختلاف والحوار، وينزلق إلى المجاملة والمواربة.


هل واجهتِ انتقادات بسبب بعض أفكارك أو مواقفك في كتاباتك؟

لا، ولله الحمد، فكتاباتي البحثية والإبداعية بعيدة عن التابو، ولا أتناول قضايا فكرية شائكة؛ فأنا منشغلة بالبحث عن مواطن الجمال في النصوص، ومغامراتي البحثية لا تتصادم مع الواقع ولا تصدم المتلقي.

هل هناك رحلة من القصة القصيرة إلى الرواية؟

ما زالت القصة القصيرة بوابة عبور نحو الرواية، ومعظم الروائيين السعوديين بدأوا من القصة القصيرة ثم هجروها إلى الرواية. 

والكتابة الإبداعية لا تتضمن خيارات أمام المبدع، وأظنها تحولات فنية لم تكن مقصودة لديهم، فربما شعروا بأن أفكارهم تتحمّلها الرواية، أما أنا فلا أنوي ولا أخطط لكتابة الرواية، وتبقى كتابتها احتمال وارد.


كيف تتعاملين مع تحديات الكتابة والنقد في الوقت الحالي؟

عن طريق مواكبة التغيرات وفهمها، وأظن أن التحديات والعقبات ناتجة عن عدم فهمها؛ فالتغير سنة كونية، والمستجدات في الحياة الثقافية ليست حربًا على الأصالة، بل تتطلب التجربة والمغامرة المدروسة.

هل واجهتِ صعوبات أو تحديات في مسيرتك الأدبية؟

لم تكن صعوبات تعوق الوصول والانطلاق، بل معاناة معظم المؤلفين مع دور النشر في نيل حقوقهم، وحاجتهم إلى دعم نتاجهم وتسهيل نشره، وجميعنا يواجه هذا التحدي بمواصلة الطريق إيمانًا بمسؤولية الكلمة وشغفًا بالمعرفة التي لاتُقاس بالربح والخسارة.

حدّثينا عن المشاركات الثقافية لكِ؟

لا أبالغ لو قلت إنني من المواظبين على حضور الأنشطة الثقافية والمشاركة فيها؛ ففي زمن شح الفعاليات كنتُ أتحين الفرص المناسبة لحضور الندوات والمؤتمرات المنعقدة محليًا وعربيًا، وعلى سبيل المثال: من أكثر مشاركاتي تميزًا مؤتمرات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وشاركت في ثلاثة منها، ومؤتمر النقد الأدبي في جامعة اليرموك وشاركتُ مرتين في رحاب هذا المؤتمر.

 وخفتت مشاركاتي منذ ثلاث سنوات تقريبًا لقلة المؤتمرات الحضورية، ولانشغالي بشؤون التحكيم العلمي، وميلي إلى الكتابة الإبداعية، وربما الوفرة، فمع كثرة الأنشطة والفعاليات أتخيّل أن عجلة الثقافة لن تفتقدني، وأعوّض غيابي بالقراءة والكتابة ومتابعة الندوات المتميزة عن بعد.

تعدين رمزًا للكتابة النسائية في الساحة العربية.. ما  دور المرأة في تطوير المشهد الأدبي والثقافي؟

لستُ رمزًا وإنما هو حسن ظنكم وشرف لا أتحمّل وزره، ربما فكرة الرموز ملائمة لفترة الغياب التي بزغت فيها أديبات، وسجلّن حضورهن في تاريخ الأدب النسائي العربي، وتحقق الكتابة النسائية الآن معدلات مرتفعة ومرضية.

ومنذ العقد الثاني من الألفية حققت المرأة حضورًا لافتًا، وتنامى هذا الحضور مع رؤية 2030لسمو ولي العهد -حفظه الله- فتمكين المرأة في مجالات عدّة (ومنها الأدب) لخدمة مجتمعها يتنامى؛ ما يمكن معه القول بأن الرمز النسائي الثقافي تتجاذبه أديبات كثيرات حققن إنجازات علمية وإبداعية ونلن جوائز ثقافية، وأسهمن في حراك ثقافي أثبتت فيه المرأة السعودية كفاءتها ووعيها وعمقها.

ما مشاريعك الأدبية القادمة؟

أفكار لم أترجمها بعد في مشروع، وآمل أن ترى النور.

ما نصيحتكِ للجيل الجديد من الكتاب العرب؟

القراءة المتعمقة للأدب العربي قديمًا وحديثًا، وعدم الاستعجال في النشر قبل نضج التجربة، وعرض كتاباتهم على المختصين، والاستفادة من توجيهاتهم.

نحن في مرحلة تعتني بالشباب واليافعين وتسخّر لهم برامج ومشاريع للنهوض بمواهبهم ودعمها وصقلها، فعليهم الاستفادة من الإمكانات المتاحة واستغلال هذه الفرص لتنمية مهاراتهم.

كلمة أخيرة لـ "الجوهرة"

شكرًا لاهتمامكم بإبداعات المرأة ونشاطها الثقافي، وهذه الحوارات مساحة هادفة للتعريف بالمبدعات وتسليط الضوء على نتاجهن وإيصال صوتها للعالم. 

اقرأ أيضًا: الكاتبة نوال السويلم لـ "الجوهرة": مواقع التواصل الاجتماعي لم تسهم في بناء حركة نقدية جادّة

الناقدة والكاتبة نوال السويلم لـ"الجوهرة": المشهد الثقافي اليوم في السعودية واجهة مشرّفة