«تيتانيك السعودية».. أسرار سفينة جورجيوس جي الغارقة على سواحل تبوك

على امتداد المياه الزرقاء الهادئة لخليج العقبة شمال غرب المملكة العربية السعودية، ترسو سفينةٌ ضخمة صدئة نصف غارقة بين البحر والشاطئ. وكأنها قطعة من الماضي توقفت عند لحظة مأساوية لم تنتهِ فصولها بعد.

سفينة جورجيوس جي، المعروفة شعبيًا باسمتيتانيك السعودية”، قد تحولت مع مرور الزمن إلى واحدة من أكثر المعالم البحرية إثارةً للفضول في منطقة تبوك. وتحديدًا بالقرب من شاطئ بئر الماشي جنوب محافظة حقل.

ومنذ عقود طويلة، ما تزال هذه السفينة تثير دهشة الزوار وتدفعهم للتساؤل حول قصتها الحقيقية، خصوصًا مع انتشار العديد من الروايات والأساطير المرتبطة بها.

فمشهد هيكلها الحديدي المائل نحو البحر، وسط المياه والشعاب المرجانية، يمنح المكان طابعًا غامضًا ومشهدًا بصريًا آسِرًا جعلها مقصدًا للمصورين والرحالة وعشاق الاستكشاف.

من البناء إلى الجنوح

تعود بداية قصة السفينة إلى عام 1949، حين بنيت في المملكة المتحدة بعد سنوات قليلة من نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد شيّدت في أحواض بناء السفن البريطانية بواسطة شركة متخصصة في صناعة السفن الساحلية. إذ لم تكن سفينة عملاقة مخصصة للرحلات العابرة للمحيطات؛ بل صممت لنقل البضائع عبر المسافات البحرية المتوسطة.

وقد بلغ طولها نحو 71 مترًا، وعرضها 11 مترًا، وارتفاعها قرابة خمسة أمتار، وكانت تستخدم في نقل الشحنات التجارية المختلفة بين الموانئ.

وخلال سنوات خدمتها الطويلة، تنقلت السفينة بين عدة شركات وملّاك من جنسيات مختلفة. وتغير اسمها أكثر من مرة، حتى أصبحت تعرف باسم “جورجيوس جي” “Georgios G” بعد انتقال ملكيتها إلى شركة شحن يونانية في أوائل السبعينيات. وفي تلك الفترة، كانت السفينة تنقل المواد الغذائية والبضائع التجارية عبر البحر الأحمر وخليج العقبة.

وفي ليلة الرابع من أبريل عام 1978، بدأت آخر رحلات السفينة وأكثرها مأساوية. فقد كانت تبحر عبر خليج العقبة متجهة إلى ميناء العقبة الأردني، محمّلة بشحنة كبيرة من الدقيق.

وأثناء عبورها ليلًا، انحرفت السفينة عن مسارها شرقًا نحو المياه الإقليمية السعودية، لتصطدم بالشعاب المرجانية القريبة من ساحل بئر الماشي. تسبب الاصطدام في حدوث ثقب كبير في مقدمة السفينة. ما أدى إلى تسرب المياه إلى داخلها وزيادة وزنها بشكل كبير. الأمر الذي جعل حركتها شبه مستحيلة.

احتراق جورجيوس جي في نهاية مأساوية

حاول قبطان السفينة وطاقمها إنقاذ الموقف وإعادة تشغيل المحرك لتحريرها من الشعاب المرجانية. غير مدركين خطورة الحمولة الموجودة على متنها.

فغبار الدقيق، في ظروف معينة، يعد مادة قابلة للاشتعال والانفجار. ومع محاولات تشغيل المحرك، انطلقت شرارات تسببت في اشتعال النيران داخل السفينة، لتتحول خلال وقت قصير إلى كتلة مشتعلة.

واستمرت النيران تلتهم أجزاءها لعدة أيام متواصلة، وسط محاولات لإخماد الحريق. إلا أن صعوبة الوصول إليها وامتداد ألسنة اللهب داخلها جعلا السيطرة على الحريق أمرًا شبه مستحيل.

وبعد أن التهمت النيران معظم أجزائها الداخلية وغرف القيادة والمحركات ومساكن البحارة. لم يبقَ من السفينة سوى هيكلها الحديدي الصلب، الذي ظل عالقًا فوق الشعاب المرجانية حتى يومنا هذا.

ومع مرور السنوات، أصبحت الأمواج والتيارات البحرية تدفع السفينة تدريجيًا إلى وضعها الحالي، حيث يغمر الماء أكثر من ثلثيها. بينما تبقى مقدمتها مائلة نحو الشاطئ في مشهد يختصر قصة طويلة من الكفاح والنهاية المأساوية.

ورغم الحادثة المؤلمة، تحولت جورجيوس جي مع مرور الوقت إلى معلم سياحي بارز في منطقة تبوك. فقد أصبحت جزءًًا من الهوية البصرية لساحل حقل، ووجهة يقصدها الزوار من مختلف مناطق المملكة وخارجها.

كما ساهم موقعها الفريد وسط الشعاب المرجانية في جعلها بيئة بحرية غنية تحتضن أنواعًا مختلفة من الأسماك والكائنات البحرية والسلاحف.ما جعلها أيضًا نقطة جذب لعشاق الغوص والاستكشاف البحري.

من حطام مهجور إلى معلم خالد

ارتبطت السفينة بالعديد من القصص والأساطير الشعبية، حتى أطلق عليها السكان اسم “تيتانيك السعودية”. نظرًا لمشهدها المهيب وحالتها الغامضة المشابهة للسفن الغارقة في القصص العالمية.

وبين التفاصيل، التصورات والتخيلات التي تقبع بين الحقيقة الفعلية والأساطير المتداولة، بقيت السفينة أيقونة وتجسيد ملموس الغموض والجمال. إذ تجمع في تفاصيلها بين قسوة الحوادث البحرية وروعة الطبيعة الساحلية لخليج العقبة.

وإلى يومنا هذا، ينظر العامة إلى جورجيوس جي أو “تيتانيك السعودية” أكثر من كونها في السطح الظاهر مجرد سفينة غارقة مهجورة، بل أصبحت بصمة تاريخية وسياحية. تروي للأجيال قصة مأساوية استثنائية نشأت بين أمواج البحار وتجسد جزءًا من تاريخ المنطقة وثقافتها.

كما أنها تعتبر برهانًا وضربًا من الأمثلة الحية على قدرة الزمن والطبيعة في تحويل المآسي إلى معالم خالدة تثير لدى الفرد دافع التأمل والإعجاب والانبهار لتتقد لديه شرارة الفضول وشغف الاستطلاع.

الرابط المختصر :