مع حلول 31 مايو من كل عام، يتجدد الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة التبغ، مناسبة عالمية أقرّتها منظمة الصحة العالمية بهدف إذكاء الوعي بمخاطر التدخين وآثاره المدمرة على صحة الإنسان والبيئة. تتواصل الحملات العالمية، مدعومة بتقارير وإحصاءات صادمة، لتشجيع المدخنين على الإقلاع عن هذه العادة الفتاكة، وكشف الأساليب المخادعة التي تتبعها شركات التبغ لاستقطاب ضحايا جدد، خاصة من فئة الشباب. ونتناول التفاصيل في هذا المقال.
مكافحة وباء عالمي
تشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية لعام 2020 إلى أن التدخين يتسبب في وفاة حوالي 6 ملايين شخص سنويًا على مستوى العالم، منهم أكثر من 600 ألف من غير المدخنين بسبب التعرض للتدخين السلبي. وتتوقع المنظمة أن يصل عدد الوفيات إلى أكثر من 8 ملايين شخص سنويًا بحلول عام 2030 إذا لم تتخذ التدابير اللازمة.
تهدف منظمة الصحة العالمية من خلال اليوم العالمي دون تدخين إلى تذكير الشعوب بالأضرار الصحية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية للتدخين. كما تهدف إلى حماية الأجيال الحالية والمقبلة من عواقب التبغ المدمرة للصحة، والتحذير من مخاطر التدخين السلبي، وتفعيل إجراءات مكافحة التبغ والسيطرة عليه.

تاريخ طويل من النضال ضد التبغ
بدأت فكرة اليوم العالمي لمكافحة التبغ في 7 أبريل 1988، عندما أقرت الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية هذا اليوم استجابة لقرار جمعية الصحة العالمية. تم اختيار هذا التاريخ ليتزامن مع الذكرى السنوية لتأسيس منظمة الصحة العالمية. بهدف حث مستخدمي التبغ على الامتناع عن استخدامه لمدة أربع وعشرين ساعة، تحفيزًا للراغبين في الإقلاع. وفي عام 1988، عدّلت المنظمة موعد الاحتفال ليصبح في 31 مايو كيوم ثابت سنويًا، للتأكيد على أهمية مكافحة التبغ بكل أنواعه.
يعد هذا اليوم مناسبة دولية لافتة للنظر العالمي نحو الآثار السلبية والضارة للتبغ والتدخين على الصحة العامة. وتذكيرًا بالمخاطر التي يسببها التدخين على حياة الأفراد والنواحي الاقتصادية للأسر والمجتمعات. بل وحتى على المحاصيل الزراعية التي تتعرض للحرائق بفعل إلقاء أعقاب السجائر.
منذ عام 1988، قدمت منظمة الصحة العالمية جوائز تقديرية لمنظمات وأشخاص قدموا إسهامات استثنائية وفعالة في مجال مكافحة التبغ، موزعة على ست مناطق حول العالم. بالإضافة إلى ذلك جوائز خاصة يمنحها المدير العام.

أهداف اليوم العالمي دون تدخين 2025
يسعى اليوم العالمي دون تدخين إلى تحقيق عدة أهداف رئيسية، أهمها:
- التوعية بمخاطر التدخين والتدخين السلبي: لا يقتصر ضرر التدخين على المدخن نفسه. بل يمتد ليشمل المحيطين به. وهو ما يعرف بالتدخين السلبي. يهدف هذا اليوم إلى رفع الوعي بهذه المخاطر الصحية الجسيمة.
- تأثير التدخين على صحة الرئة والقلب: يعد التدخين سببًا رئيسيًا لأمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية. كما يهدف اليوم العالمي دون تدخين إلى تثقيف الشباب خاصةً حول هذه الآثار السلبية. وتزويدهم بالمعرفة اللازمة لمقاومة خطط التسويق التي تستهدفهم من قبل شركات التبغ.
- لفت الانتباه العالمي للآثار السلبية للتبغ: يهدف هذا اليوم إلى تذكير الشعوب بالمخاطر المتعددة للتدخين، ليس فقط على صحة الأفراد. بل أيضًا على الجوانب الاقتصادية للأسر والمجتمعات. وحتى على الثروات الحرجية والمحاصيل الزراعية التي تتعرض للحرائق بسبب إهمال المدخنين.

اتفاقية دولية لمكافحة التبغ
في 27 فبراير 2005، وضعت منظمة الصحة العالمية “اتفاقية منظمة الصحة العالمية الإطارية بشأن مكافحة التبغ”، وهي اتفاقية ملزمة قانونًا تهدف إلى الحد من استخدام التبغ والتعرض لدخانه. تشمل مبادئ هذه الاتفاقية إطارًا واسعًا من الالتزامات والحقوق، من أهمها:
- حماية الصحة العامة: عزل تدابير الصحة العامة عن المصالح التجارية لصناعة التبغ.
- حظر التدخين في الأماكن المغلقة والعامة: حماية البشرية من التعرض لأدخنة التبغ.
- تقييد الإعلان والترويج: منع وتقييد جميع أشكال الإعلان والترويج لمنتجات التبغ.
- التعبئة والتغليف: حظر الأساليب المضللة في التغليف، والتشديد على وضع صور تحذيرية واضحة وكبيرة على منتجات التبغ.
- التدابير الضريبية: فرض تدابير ضريبية على منتجات التبغ للحد من الطلب عليها.
- مكافحة الاتجار غير المشروع: حظر الاتجار غير المشروع في منتجات التبغ.
- دعم الإقلاع عن التدخين: توفير العلاج اللازم والتوعية العامة بأضرار التبغ.
- المسؤولية القانونية: اتخاذ التدابير اللازمة للتعامل مع المسؤولية الجنائية والمدنية المتعلقة بأضرار التبغ.
وفي 31 مايو 2008، دعت المنظمة الدولية إلى حظر تام ونهائي على إعلانات السجائر، بعد أن أثبتت الدراسات وجود علاقة قوية بين إعلانات منتجات التبغ وبداية التدخين، خاصة بين الشباب.
استهداف الشباب والدعاية الوهمية
شكل اليوم العالمي للامتناع عن التدخين 2024 منبرًا للشباب حول العالم لحث الحكومات على حمايتهم من أساليب التسويق المخادعة التي تمارسها صناعة التبغ. كما تستهدف هذه الصناعة الشباب لتحقيق أرباح مدى الحياة من خلال خلق موجة جديدة من الإدمان. الأخطر من ذلك هو تصاعد معدلات تعاطي السجائر الإلكترونية بين الأطفال (13-15 عامًا) لتفوق نظيراتها بين البالغين، حيث يُقدر عدد الأطفال المدخنين حول العالم بنحو 37 مليون طفل.
فعاليات عالمية وجهود محلية
تمثل منظمة الصحة العالمية المحور الرئيسي في تنسيق أحداث اليوم العالمي لمكافحة التبغ حول العالم؛ حيث تشجع النوادي المحلية ومجالس المدن والحكومات الوطنية على تنظيم الفعاليات سنويًا لمساعدة المجتمعات على الاحتفال بهذا اليوم بطريقتها الخاصة. تضمنت الأحداث السابقة حملات لكتابة الرسائل إلى المسؤولين الحكوميين والصحف، والمسيرات والمناقشات العامة، والحملات الإعلانية، والاجتماعات الناشطة ضد التبغ. بالإضافة إلى البرامج التثقيفية. تستخدم العديد من الحكومات هذا اليوم كتاريخ للبدء بتطبيق محظورات جديدة على التدخين ومحاولات السيطرة على التبغ.
مخاطر التدخين وطرق الإقلاع
تنشر حملات التوعية مخاطر التدخين على الصحة، بدءًا من الإصابة بالسرطان والأمراض التنفسية المزمنة. حيث يعد تدخين التبغ السبب الأول للإصابة بسرطان الرئة، والمسؤول عن أكثر من ثلثي حالات الوفاة بسرطان الرئة عالميًا. كما أنه السبب الرئيسي للإصابة بداء الانسداد الرئوي المزمن. الأخطر من ذلك، أن الأطفال المعرضين لسموم دخان التبغ داخل الرحم تكثر إصابتهم بقصور في نمو ووظائف الرئتين. كما يقدر وفاة 165,000 طفل قبل بلوغهم الخامسة بسبب إصابات الجهاز التنفسي السفلي الناجمة عن دخان التبغ غير المباشر.
لتحقيق هدف التنمية المستدامة المتمثل في تخفيض الوفيات المبكرة الناجمة عن الأمراض غير السارية بمقدار الثلث بحلول عام 2030، يجب أن تكون مكافحة التبغ أولوية للحكومات والمجتمعات.
أكد الخبراء أن مقاومة الرغبة في التدخين هي أول خطوة نحو الإقلاع عنه. تنتهي الرغبة في التدخين عادةً في غضون 5 إلى 10 دقائق مهما كانت شدتها. يمكن للمدخنين اتباع خطوات لمقاومة هذه الرغبة، مثل:
- استعمال بدائل النيكوتين: استشارة الطبيب لتحديد البديل المناسب (بخاخ الأنف، اللصقات، اللبان، أقراص الاستحلاب).
- أدوية الإقلاع عن التدخين: يمكن أن تساعد العلاجات الدوائية قصيرة المفعول.
- تجنب المثيرات: الابتعاد عن الأماكن المعتادة للتدخين، أو الحفلات، أو تناول القهوة والشاي.
- تأجيل التدخين: مقاومة الاستسلام الفوري للرغبة.
- مضغ بدائل: مضغ العلكة الخالية من السكر أو تناول المكسرات.
- ممارسة الأنشطة البدنية: التمارين اليومية تساعد على تخفيف الرغبة.
- أساليب الاسترخاء: خاصة إذا كان التدخين مرتبطًا بالتوتر.
- طلب المساعدة: الاستعانة بالمقربين أو الانضمام إلى برامج الإقلاع عن التدخين عبر الإنترنت.
- التذكير بالفوائد: تذكر دائمًا فوائد الإقلاع عن التدخين وأهميته.
إن مكافحة التبغ ليست مجرد حملة صحية، بل هي دعوة شاملة لمستقبل أفضل، بيئة أنظف، ومجتمعات أكثر صحة وازدهارًا. فهل أنت مستعد لتكون جزءًا من هذا التغيير؟
حماية الأجيال القادمة
يكمن الهدف النهائي لليوم العالمي للامتناع عن التدخين في المساهمة في حماية الأجيال الحالية والمقبلة ليس فقط من العواقب الصحية المدمرة لتعاطي التبغ، بل وأيضًا من المصائب الاجتماعية والبيئية والاقتصادية الناجمة عن تعاطي التبغ والتعرض لدخانه. إنه دعوة عالمية للعمل المشترك من أجل مستقبل خالٍ من التبغ.


















