غادة المهنا أبا الخيل.. توثيق تاريخ الجزيرة العربية بعدسات الغرب

من قلب العاصمة الألمانية برلين، تنطلق الباحثة السعودية غادة المهنا أبا الخيل وهي مختصة في الأنثروبولوجيا البصرية في رحلة لتوثيق تاريخ شبه الجزيرة العربية عبر الصور الفوتوغرافية القديمة، التي التقطها مسافرون وباحثون وصحافيون وعمال، في شوارع الخليج وأزقة اليمن وضفاف العراق وقرى الأردن.

المشروع، بحسب أبا الخيل، يهدف إلى بناء أرشيف بصري عام يوثق الحياة اليومية في المنطقة منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى السنوات الأخيرة، وهو ليس مجرد جمع للصور، بل محاولة للحفاظ على ذاكرة جماعية حية.

“هذه ليست مجرد صور، بل ذاكرة حية تروي كيف كنا، وكيف وصلنا إلى ما نحن عليه”، تقول الباحثة.

من الأرشيفات الكبرى إلى صور الأفراد

ووفقًا لـ”الشرق الأوسط” بدأت فكرة المشروع بعد سنوات من البحث في الأرشيفات الكبرى حول العالم:

“استنفدت المؤسسات العامة، وبدأت أتجه نحو الأرشيفات المختصة أو المواد الخاصة بالأفراد. كثيرًا ما كنت أسمع عن مصورين أو باحثين مروا بشبه الجزيرة قبل عقود، وأحاول تتبع أسمائهم والوصول إلى صورهم”.

ولاحظت الباحثة أن المسار المؤسسي وحده لا يكفي، فقررت إشراك الجمهور في المشروع:

“المسار الخاص استهلك، ورأيت أن من الأفضل إشراك المجتمع. الصور ومعلومات أصحابها لمن يرغب في ذكر اسمه يجب أن تكون ملكًا عامًا”.

التحدي الأكبر، بحسب أبا الخيل، يكمن في الوقت وحساسية بعض الأشخاص تجاه نشر موادهم الأرشيفية:

“هناك من يفضل الاحتفاظ بصوره أو فيديوهاته لأسباب شخصية أو عائلية، وهنا أحاول إقناعهم بأن الفائدة العامة أكبر. نحن نتحدث عن حفظ ذاكرة بصرية للأجيال المقبلة”.

صعوبة الوصول إلى الأرشيف البصري في الخليج

ترى أبا الخيل أن غياب الأرشيفات العامة المفتوحة في المنطقة يحد من إمكانية الوصول إلى صورة متكاملة عن الماضي، مقارنة بالدول التي تتيح مخزونها البصري بسهولة.

“حين انتقلت إلى ألمانيا عام 2017، استطعت خلال دقائق الوصول عبر الإنترنت إلى مكتبات رقمية وصور تعود لقرن مضى. في المقابل، الباحث الأجنبي الذي يريد الاطلاع على تاريخ السعودية أو الخليج غالبًا ما يجد مواد متفرقة وغير موثقة. لا يزال هناك حاجة إلى منصة عامة أو مكتبة رقمية توفر الوصول الدائم والمجاني للصور”.

وتثني الباحثة على جهود وزارة الثقافة والمبادرات القائمة حالياً، لكنها تؤكد الحاجة إلى أرشيف مفتوح يسهل الوصول إليه.

إشراك المجتمع وجمع الصور الشخصية

يسهل موقع أبا الخيل في أوروبا الوصول إلى الأرشيفات، كما تمنحها خلفيتها الأكاديمية في القانون وعيًا أكبر بمسائل حقوق الملكية الفكرية.

منذ إعلان المشروع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تلقت الباحثة تفاعلًا واسعًا، حيث أرسل لها عدد من الأشخاص صورهم أو أفلامهم القديمة غير المنظمة. بعض المواد كانت محفوظة على شرائط نيجاتيف تحتاج لمعالجة خاصة، وأحيانًا تقوم أبا الخيل بزيارة أصحاب الصور لمعاينتها بنفسها.

“ربما ساعد كوني امرأة على تجاوز حساسية بعض العائلات المحافظة، خصوصًا إذا كانت الصور تتضمن نساء العائلة”، تقول أبا الخيل.

الذكاء الاصطناعي بين التحسين والتضليل

حول تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على الصور الأرشيفية، تقول أبا الخيل إن التعديل ليس جديدًا، لكن المشكلة تكمن في إمكانية تضليل الجمهور:

“المواد الأصلية تبقى ذات قيمة عالية ولن يحل الذكاء الاصطناعي مكانها. لكن الناس أحيانًا يصدقون الصور المعدلة بسهولة، خاصة مع ضعف الثقافة البصرية. كلما كانت الصورة أوضح بعد تحسينها، زاد استغراب المتابعين”.

رؤية مستقبلية: أرشيف عام ومتاح للجميع

قبل نحو شهر، أطلقت أبا الخيل مدونتها «وميض»، التي تشارك فيها تأملات وقصصًا أرشيفية وتحليلات ثقافية تربط الماضي بالحاضر.

حول مستقبل المشروع، تقول:

“الآن أركز على مرحلة جمع الصور، وسأحدد لاحقاً شكل المنصة أو المشروع النهائي. هدفي أرشيف عام ومتاح للجميع، يقدم قيمة مضافة لجهود المؤسسات الرسمية، ويكون جسرًا بين ما يملكه الأفراد وما يحتاجه الباحثون والجمهور”.

الرابط المختصر :