في عمق واحة الأحساء الخضراء، وعلى بعد 20 كيلومتراً من مدينة الهفوف، يقف مسجد جواثا شامخًا كأحد أبرز الشواهد التاريخية التي تروي قصة بزوغ الإسلام في شرق الجزيرة العربية. هذا الصرح الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى القرن السابع الميلادي، ليس مجرد بناء من الطين والحجر. بل هو ثاني مسجد أقيمت فيه صلاة الجمعة في الإسلام بعد مسجد رسول الله ﷺ، ما يمنحه مكانة روحية وتاريخية لا تضاهى.
عبق التاريخ وبراعة العمارة الأولى
بني المسجد على يد أبناء قبيلة بني عبد القيس، الذين استجابوا لنداء الإسلام مبكراً، ليتحول موقع “جواثا” من مركز تجاري نشط يستقبل القوافل القادمة من أنحاء الجزيرة، إلى منارة دينية تشع منها الروحانية.
كما تجسد عمارة المسجد البساطة المتناهية التي ميزت العصر النبوي؛ حيث تبرز جدرانه الطينية وهندسته الأولية قدرة الإنسان القديم على تطويع البيئة الصحراوية لخلق مساحات تعبدية ملهمة. هذه البساطة هي التي جعلت منه مختبراً حياً للباحثين في تطور العمارة الإسلامية المبكرة.

اعتراف عالمي وقيمة تراثية استثنائية
بينما لم يكن مستغربًا أن يلتفت العالم لهذه الجوهرة التاريخية؛ ففي عام 2018م، أدرجت منظمة اليونسكو مسجد جواثا ضمن قائمة التراث العالمي كجزء أصيل من موقع واحة الأحساء الثقافي. هذا الإدراج لم يكن مجرد تكريم، بل خطوة استراتيجية لضمان حماية الموقع وتعريف الأجيال القادمة بقيمته الدينية والحضارية.
وعلى مر السنين، خضع المسجد لعمليات ترميم دقيقة هدفت إلى الحفاظ على هيكله الأصلي مع إبراز معالمه التاريخية. لتظل “جواثا” مقصدًا للباحثين والزوار التواقين لاستنشاق عبق الماضي الإسلامي الأصيل.

تحديات الاستدامة ورؤية المستقبل
بينما رغم مكانته المرموقة، يواجه المسجد تحديات طبيعية مستمرة تتمثل في عوامل التعرية والمناخ الصحراوي القاسي الذي يهدد استقرار البناء الطيني. كما تؤكد السلطات السعودية والخبراء على ضرورة:
- التمويل المستدام: لضمان استمرار أعمال الصيانة والترميم وفق المعايير العالمية.
- التوثيق الدقيق: لجمع الروايات التاريخية المرتبطة بالموقع وضمان نقل الإرث الثقافي للأجيال.
- التطوير السياحي: تحويل المنطقة المحيطة بالمسجد إلى وجهة سياحية ثقافية متكاملة تجذب السياح من مختلف دول العالم.
جسر يربط الماضي بالحاضر
كما يظل مسجد جواثا رمزًا للهوية الثقافية للمنطقة الشرقية، وشاهدًا على روحانية الماضي التي لم تنطفئ شعلتها. إنه يجسد الدور المحوري للمواقع التاريخية في ربط المجتمعات بجذورها، مؤكدًا أن واحة الأحساء ليست مجرد مزار زراعي. بل هي مهد للحضارة ومركز للإشعاع الروحي الذي لا يزال يحمل قصص القوافل والعباد الأوائل في كل زاوية من زواياه.


















