كثافة العمل لكلا الزوجين في هذا العصر الحديث باتت تشكل مشكلة في خاصرة الأسرة، فالعديد من العائلات صارت ضحية العمل اليومي الضاغط بل وتعاني تبعاته المختلفة، ومنها التسبب في أزمة اجتماعية كبيرة تؤثر على الحالة الإنسانية والاجتماعية.
كما يصبح الأطفال الضحية الأولى لهذا الوضع، فمتطلبات الحياة تسرق الوقت وتضيع الاهتمام وتقلص فرص اجتماعات الأسرة إلى أدنى مستوى بعدما كثرت وطالت مدة غياب الآباء عن منازلهم وقل تواصلهم مع الأبناء الذي غالبًا ما يتسبب في بروز مشاكل سلوكية عديدة قد تصل إلى حد التفكك الكامل للأسرة.
تأثير العمل الوظيفي في استقرار الأسرة
الإنسان خلال سعيه الدؤوب لتحصيل المزيد من المال يضطر إلى العمل أكثر حتى إن بعض الأولياء قد تفرغوا لما يسمى العمل الوظيفي الكامل بهدف مضاعفة المردود المالي لأجل توفير متطلبات الحياة الكريمة لأسرهم، فيضطرون إلى قضاء معظم ساعات يومهم في العمل.
ومن الصعب تجاهل تأثير هذا الغياب سلبًا في استقرار الوضع العائلي، وعلى تفاقم الأزمة الداخلية، خاصة عندما يُترك الأطفال للفراغ الممل والقاتل أو عند تركهم في عناية مربية أو خادمة.
إذ يمكن أن يتأثر بها الطفل الصغير فيعتبرها أمه والنتيجة أن ينشأ على عادات غريبة عن أسرته، والمفارقة أن استمرار هذه الظاهرة يعني أن البعض لا يرى فيها مشكلة بل عادية للغاية، فيما يرى البعض الآخر وهو يحاول أن يخفف من المشكلة أن يرجعها إلى زيادة أعباء مواكبة التطور الكبير في الحياة.
عواقب الرغبة في مسايرة التطور
لا توجد عائلة في عصرنا الحالي تخلو من الخلافات والمواقف المحرجة بشأن التقصير بحق البيت والأسرة والأطفال والعائلة بأكملها، ولكن المشكلة في الضغوط الناجمة عن تعدد المسؤوليات، خاصة مع التسارع في وتيرة الحياة المعاصرة وتنامي الرغبة في مسايرة ركب هذا التطور، إذ جعل هذا الحال الجميع يغيبون عن منازلهم والتواصل مع عائلاتهم وأولادهم.
وبات لقاء الأشقاء أو رؤيتهم من الأمور النادرة لأن العمل بات هو الوحيد في دائرة الاهتمام لأجل الوصول إلى توفير ما يخدم مستقبل العائلة.
الثابت والمؤكد أنه لا شك أن الآثار الناتجة عن هذا العمل المكثف خطيرة ما يؤثر سلبًا في حياة الفرد الأسرية التي ستكون معرضة للانهيار والتفكك. إلى جانب سلبيات أخرى مثل تراخي الروابط الاجتماعية حتى بات الوقت شبه معدوم لتبادل الزيارات بين الأقارب والمعارف والأصدقاء.
مشكلة دائمة والحل مجهول
تفاقمت المشكلة فدخلت تقريبًا كل المنازل وباتت تحتاج إلى الحلول المناسبة بعدما أحدث العمل المكثف اليومي الذي ينال معظم وقت الزوج والزوجة تأثيرات كبيرة أهمها الإهمال المنزلي الواضح في تراجع مستويات النظافة والتنظيم والترتيب ومراقبة السير الدراسي للأطفال، إذ يمتد وقت العمل على فترات عديدة ولم يعد محصورا في فترة الصباح فقط.
وهذا انعكس على الجميع وليس على فرد دون آخر، وأمام تعقيدات هذا الوضع ترى الكثير من الأولياء يعترفون صراحة أنهم لم يعودوا يستطيعون الوصول إلى الحل المناسب أو الاهتداء إلى الفرصة التي تساعدهم على تقديم ما هو مطلوب منه لأولاده بعدما أحدث العمل اليومي المكثف فجوة كبيرة في العلاقة الطبيعية، أي التعامل اليومي العادي، بسبب عودتهم إلى منازلهم في أوقات متأخرة من الليل.
وهكذا تمر الأيام دون أن يتمكن أكثرهم من رؤية أبنائهم إلا في أيام العطل والإجازات، وهذا الوضع يراه الأولياء مزعجًا. ولكنه مفروض عليهم لتوفير سبل العيش الكريم.
وقد يتبصر البعض سبيلًا لحل وهو الاجتهاد في تنظيم الوقت لتجنب الخسارة الجسيمة في المستقبل عندما يصير الأولياء غرباء في بيوتهم. وينصرف الأطفال إلى طرف ثالث ينال من أفكارهم إلى جهة غير مقبولة. ويوجه ميولهم إلى مستوى اجتماعي متدني.
إن ابتعاد الآباء عن أولادهم تراهم يسهمون من حيث لا يدرون في دفع أولادهم إلى حلول أخرى وإخوض تجارب غير إيجابية قد تهلكهم.
العمل والدائرة المغلقة
هناك اعتراف صريح يِؤكد أن عمل الزوج المكثف وابتعاده عن المنزل فترة طويلة له سلبيات عديدة خاصة في بداية رحلة الأبناء الشبابية لأن غياب الأب يولد الاستهتار والتصرفات غير المسؤولة، لذا سيكون التوازن في العمل اليومي ضروري للوصول إلى التناغم العائلي، بمعنى أن الوالد مطالب بتفريغ الوقت اليومي الكافي لمتابعة أبنائه وليس البقاء بعيدًا عنهم مهما كانت مشاكله لأن استمرار الابتعاد يولد الجفاء ويساعد على بروز المظاهر السلبية الحياتية.
ويمتد الاعتراف إلى التأكيد على أن تفرغ الأم لأولادها أمر ضروري إذا كان الوضع المالي للرجل بساعد على التفرغ، ولكن في ظل الظروف المعيشية الصعبة ومسلسل الارتفاعات الدائمة في الإيجارات والسلع الغذائية سيكون من المطلوب من كلا الزوجين العمل لأجل الوصول إلى ما يخدم حاضر ومستقبل الأولاد.
الحلول الممكنة
كما سيكون من الضروري الحرص قدر المستطاع على توفير المناخ العائلي لبعض الوقت. وعلى فترات للجلوس مع الأولاد والتفرغ لسماع أخبارهم والاجتهاد في حل مشاكلهم. وكذلك محاولة مشاركة اهتمامهم وتقديم التوجيهات العملية لتنمية مهاراتهم الحياتية. وتحين الفرص لقضاء أوقات متعة خارج المنزل. أو لتناول وجبة الغداء في أحد المطاعم. أو السفر والإقامة في فندق لتغيير الأجواء واستعادة الانتعاش النفسي. وكل هذا من شأنه إتاحة الفرصة لمناقشة المواضيع المؤجلة حتى يشعر الجميع بالراحة.






















