تزخر المملكة العربية السعودية بالعديد من المواقع التاريخية التي ترتبط بوجدان المسلمين وأحداث السيرة النبوية العطرة. وفي شمال غرب المملكة. تبرز مدينة تبوك كإحدى أهم الحواضر الأثرية التي شهدت فصلًا تاريخيًا مجيدًا في عهد الرسول ﷺ. وفي قلب هذا الإرث، تقف “عين تبوك الأثرية” (أو عين السكر) كشاهد حي على معجزة نبوية باركت هذه الأرض. وجعلت منها مقصدًا روحيًا وسياحيًا يتوافد إليه الحجاج والمعتمرون والزوار طوال العام ليرتووا من مياهها العذبة ويستحضروا عبق التاريخ.

المعجزة النبوية وتاريخ العين المباركة
يعود التاريخ الموثق لعين تبوك إلى العام التاسع للهجرة، وتحديد خلال غزوة تبوك؛ حيث كانت العين وقتها تبض بماء قليل لا يكاد يذكر. وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه. غسل النبي ﷺ وجهه ويديه من مائها ثم أعاده إليها، فجرت العين بماء غزير ومنهمر، وقال المصطفى ﷺ لـمعاذ: «يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة. أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانًا». وقد تحقق هذا الوعد النبوي لتتحول المنطقة إلى واحات غناء.
تنقسم العين تاريخيًا إلى جزأين: “عين البرك” و”عين السكر”. وبسبب الأهمية الاستراتيجية للعين. أمر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعمل كسوة وحماية لها لحمايتها من زحف الرمال المحيطة. كما وصفها الرحالة ابن شجاع المقدسي عام 623هـ قائلاً: “إن بها ماء ينبع ومسجد يزار”. مؤكدًا مكانتها المستمرة عبر العصور.
مسجد التوبة وقلعة تبوك
لا تقتصر القيمة السياحية للموقع على العين فحسب. بل تمتد لتشمل حزمة من المعالم الأثرية المحيطة بها التي تروي حكايات الحقب التاريخية المتعاقبة:
- مسجد التوبة (المسجد الأثري): يقع هذا المسجد العتيق بجوار العين مباشرة، وهو المكان الذي اختاره الرسول ﷺ ليخيم فيه ويستقر طوال فترة إقامته في غزوة تبوك. وكان أول من صلى فيه. ويحرص الزوار على الصلاة في هذا المسجد لعظم مكانته التاريخية والروحية.
- قلعة تبوك التراثية: على مقربة من العين، تقف هذه القلعة الشامخة التي أُعيد بناؤها في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني عام 976هـ (1559م)، لتكون محطة رئيسية لحماية وتأمين طريق الحج الشامي وتوفير المياه للحجاج. تتميز القلعة بتصميمها المعماري الفريد المكون من طابقين. وتضم فناء مكشوف. وبئر للمياه، ومسجد، وأبراج مخصصة للمراقبة والحراسة.

في النهاية، تمثل عين تبوك والمعالم المحيطة بها كنزًا تاريخيًا وأثريًا لا يقدر بثمن، حيث تمتزج فيه القيمة الدينية بالجمال الجغرافي. إن زيارة هذا المكان تمنح السائح تجربة روحية فريدة تأخذه في رحلة عبر الزمن ليتعرف على جذور الحضارة الإسلامية وعراقة الأصالة السعودية في العناية بالمقدسات والتراث الإنساني.

















