تحرص معظم الأسر على حماية أطفالها من المواقف التي تثير الخوف أو القلق، اعتقادًا منها أن تجنيبهم هذه المشاعر يسهم في تنشئة شخصية قوية وواثقة.
إلا أن خبراء في الصحة النفسية يؤكدون أن الثقة بالنفس لا تنشأ من غياب القلق، بل من قدرة الطفل على مواجهته والتغلب عليه تدريجيًا، وهو ما يعزز استقلاليته ومرونته في التعامل مع تحديات الحياة.
وترى اختصاصية علم النفس السريري للأطفال كاثرين هيشت، أن القلق ليس عدوًا يجب التخلص منه، وإنما شعور طبيعي يمر به الجميع عند مواجهة مواقف جديدة أو غير مألوفة، مشيرة إلى أن التعامل الصحيح معه قد يكون أحد أهم العوامل في بناء شخصية واثقة وقادرة على النجاح.
القلق ليس عائقًا أمام الثقة
توضح هيشت أن من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا اعتقاد بعض الآباء أن نجاحهم في التربية يعني إزالة القلق تمامًا من حياة أطفالهم. إلا أن الواقع، بحسب رأيها، يشير إلى أن السماح للطفل بخوض التجارب التي تثير مخاوفه ضمن بيئة آمنة يساعده على اكتشاف قدراته وبناء ثقته بنفسه.
وتعتمد الاختصاصية في عملها على معادلة بسيطة تلخص هذا المفهوم، وهي: القلق + الشجاعة = الثقة. فعندما يواجه الطفل موقفًا يخشاه ويتمكن من تجاوزه بنفسه، يكتسب شعورًا بالقدرة والإنجاز ينعكس إيجابًا على ثقته في نفسه.

لا تسارعوا إلى إنقاذ الطفل
يشير الخبراء إلى أن استجابة الوالدين الفورية لإنقاذ الطفل من كل موقف يثير قلقه قد تحرمه من فرصة تعلم كيفية التعامل مع المواقف الصعبة بنفسه. كما قد تصله رسالة غير مباشرة بأنه غير قادر على مواجهة التحديات دون مساعدة.
وفي المقابل، يؤكد المختصون أن القلق شعور طبيعي ومؤقت يمكن تحمله، وأن المرور بهذه التجربة يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز القوة النفسية والاعتماد على الذات.
تجنبوا إجبار الطفل على المواجهة
ورغم أهمية تشجيع الأطفال على مواجهة مخاوفهم، فإن الخبراء يحذرون من إجبارهم على ذلك أو دفعهم إلى مواقف لا يشعرون بالاستعداد لها، لأن الثقة الحقيقية تنمو عندما يكون القرار نابعًا من الطفل نفسه، وليس نتيجة ضغط خارجي.
اصنعوا فرصًا صغيرة للشجاعة
وبحسب “الشرق الأوسط” يمكن للوالدين مساعدة أطفالهم من خلال توفير مواقف بسيطة تمنحهم فرصة لاختبار شجاعتهم بصورة تدريجية. فإذا كان الطفل يعاني من الخجل أو القلق الاجتماعي، يمكن تشجيعه على القيام بمهام بسيطة، مثل طلب الطعام أو التحدث مع أحد الأشخاص في مكان عام، بما يتناسب مع عمره وقدراته.
وتؤكد الاختصاصية أن هذه الخطوات الصغيرة، مهما بدت بسيطة، تساهم مع الوقت في بناء شخصية أكثر ثقة وقدرة على مواجهة المواقف الجديدة.
القدوة تصنع الفارق
يلعب الوالدان دورًا مهمًا في تشكيل سلوك أبنائهما، لذلك فإن إظهار الشجاعة في التعامل مع المخاوف اليومية يمنح الطفل نموذجًا عمليًا يحتذي به. فعندما يرى الطفل والديه يتعاملان بهدوء مع المواقف التي قد تبدو مخيفة، يدرك أن الخوف لا يمنع من التصرف بثقة.
شجعوا الإنجازات وحولوا التحديات إلى تجربة ممتعة
ينصح الخبراء بالاحتفاء بكل خطوة ينجح الطفل في تحقيقها أثناء مواجهة مخاوفه، حتى وإن كانت بسيطة، لأن التشجيع المستمر يعزز دافعيته للاستمرار.
كما يمكن تحويل مواجهة المخاوف إلى أنشطة مرحة تتناسب مع اهتمامات الطفل، مثل إدخال الألعاب أو التحديات البسيطة في التجربة، الأمر الذي يجعلها أقل توترًا وأكثر متعة، ويشجعه على خوضها بثقة أكبر.

الثقة بالنفس تبنى بالتدريج
ويرى المتخصصون أن بناء الثقة بالنفس عملية تراكمية لا تحدث بين يوم وليلة، بل تنمو مع كل تجربة ينجح الطفل في تجاوزها. لذلك، فإن منح الأطفال مساحة آمنة لخوض التحديات، مع الدعم والتشجيع دون مبالغة في الحماية، يعد من أهم الأساليب التي تساعدهم على تكوين شخصية قوية ومستقلة وقادرة على مواجهة الحياة بثقة.


















