لا يحدث تحول الإنسان من كائن مسالم إلى شخصية عنيفة بشكل مفاجئ، بل هو نتيجة تراكمات معقدة تتشكل في بيئة الفرد. فالعنف ليس مجرد فعل عابر، بل هو نتاج تربة نفسية واجتماعية خصبة بالعناصر السلبية. مثل الفقر المعرفي، والتهميش الاجتماعي، وغياب العدالة. هذه العوامل، عندما تتضافر مع بنية نفسية غير سليمة، تؤدي إلى ظهور أنماط سلوكية متطرفة.
العلاقة بين الجينات والبيئة
ووفقًا لـ “nature”تعتبر العلاقة بين الجينات والبيئة من القضايا المعقدة التي تشغل اهتمام العلماء في مجال السلوك البشري. وخاصة السلوك العدواني. فقد أظهرت دراسة نشرت في مجلة “علم الأدوية النفسية العصبية” عام 2007. أن السلوك العنيف ليس نتاجًا لسبب واحد. بل هو نتيجة تفاعل معقد بين الاستعداد الجيني والظروف البيئية في مرحلة الطفولة. وقد ركزت الدراسة على دور جينين مرتبطين بنظام السيروتونين العصبي هما جين ناقل السيروتونين (5HTT) وجين أوكسيديز أحادي الأمين A (MAOA).
تأثير الجينات على السلوك العنيف
وقد هدفت الدراسة إلى فهم كيفية تأثير الجينات على السلوك العنيف، خاصة في وجود بيئة طفولة سيئة. شملت الدراسة مجموعة من 184 رجلًا بالغًا، وتم تقسيمهم إلى مجموعتين: عنيفة وغير عنيفة. كشفت النتائج عن تأثيرات مستقلة لكل من بيئة الطفولة السيئة وجين MAOA. تبين أن الأفراد الذين عانوا من ظروف بيئية صعبة في طفولتهم كانوا أكثر عرضة للسلوك العنيف. كما وجد أن الأفراد الذين يحملون الأليل القصير من جين MAOA، المرتبط بانخفاض نشاط الإنزيم، كانوا أكثر عرضة للسلوك العنيف مقارنة بحاملي الأليل الطويل.
تفاعل الجينات والبيئة: الحماية والهشاشة
أحد أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة هو وجود تفاعل بين جين 5HTT وبيئة الطفولة السيئة. فقد وجد الباحثون أن الشدائد البيئية في الطفولة لا تؤثر على السلوك العنيف في مرحلة لاحقة من الحياة إلا في حال وجود الأليلات القصيرة من جين 5HTT. وهذا يشير إلى أن الأليل القصير يجعل حامله أكثر هشاشة وتأثرًا بالظروف البيئية السلبية. في المقابل، يعمل الأليل الطويل كعامل وقائي ضد هذه التأثيرات، مما يمنع تطور السلوك العنيف حتى في ظل وجود بيئة طفولة صعبة.

تأثيرات محددة ونتائج هامة
كما أكدت الدراسة على أن السلوك العنيف يتأثر بالعديد من العوامل، وليس بجين واحد. لم يظهر جين ناقل الدوبامين (DAT) أي تأثير على السلوك العنيف، مما يشير إلى أن نظام السيروتونين، وليس الدوبامين، هو المسار الرئيسي الذي يؤثر على هذا السلوك.
وقد قدمت هذه النتائج دليلاً قويًا على أن السلوك العنيف ليس قدرًا محتومًا يحدده التكوين الجيني وحده، بل هو نتيجة للتفاعل بين الجينات والبيئة. فالأليلات القصيرة من جيني MAOA و5HTT تزيد من قابلية الشخص للتأثر بالظروف السلبية، لكنها لا تحتم السلوك العنيف. وهذا يؤكد على أن فهم هذه التفاعلات المعقدة يمكن أن يساهم في تطوير استراتيجيات وقائية تهدف إلى توفير بيئات داعمة للأطفال، مما يُقلل من مخاطر السلوك العنيف في المستقبل.
أمية متعددة الأبعاد: تربة خصبة للعنف
تكشف دراسة البيئة الاجتماعية للمتطرفين عن أنهم غالبًا ما ينحدرون من مجتمعات تعاني من “أمية متعددة الأبعاد”:
- أمية أبجدية: غياب التعليم الأساسي.
- أمية حضارية: نقص الوعي بقيم التسامح والتعايش.
- أمية عاطفية: عدم القدرة على ضبط الانفعالات والتفكير النقدي.

هذا الفراغ يملأ لاحقًا بخطابات متطرفة تجد في الغضب وسيلة للتعبير عن الذات، وفي العنف أداة لتأكيد الهوية. هذه الظاهرة لا تقتصر على الجماعات المتطرفة، بل تمتد إلى النخب السياسية التي تتبنى سلوكًا قائمًا على الثأر، وتتعامل مع السلطة كغنيمة لا مسؤولية، مما يؤدي إلى ممارسات وحشية مثل المقابر الجماعية والإبادات الجماعية.


















