لقد حدثت ثورة في الطب خلال القرون الماضية، بداية من استخدام المجهر ثم البنج والتخدير والتطعيم والمضادات الحيوية. وانتهاء بزراعة الأنسجة والأعضاء البشرية، وكذلك تقدمت وسائل التشخيص والتحليل والعلاج ودخل الطب عصرًا جديدًا يسمى بالطب الجزيئي molecular medicine للتعرف على مسببات الأمراض بالتفصيل على المستوى الفيزيائي والجزيئي. ولا تزال الاكتشافات والبحوث الطبية في مجال الطب الجزيئي تشهد تطورا مستمرا.
في مايو عام 2012، تمكن فريق طبي سعودي من عمل أول تحليل جيني لفيروس الإيدز، أو نقص المناعة، باستخدام جهاز تحليل الجينوم الجزيئي، الذي يتعرف على الفيروس ويكشف نوع سلالته، ويحددها.
علم الوراثة من الصفات الظاهرة إلى الأمراض
يولد الإنسان بمجموعة من الصفات الوراثية المسؤولة عن لون الجلد والشعر والطول ولون العينين. والخصائص الوظيفية لأعضاء الجسم اللازمة لاستمرار الحياة وبقاء الجسم سليمًا. وهذه الصفات محمولة على جينات موجودة على كروموسومات تمثل الجينوم البشري. الذي يشمل من ۲۰ إلى ٢٥ ألف جينًا طبقًا لما أعلنته النتائج الأخيرة لمشروع الجينوم البشري. وتم عمل الخريطة الوراثية للإنسان المعرفة جينات كثير من الأمراض الوراثية.
يمكن تقسيم الأمراض إلى أمراض وراثية وغير وراثية: أمراض وراثية بيئية وأمراض بيئية. وقد عرف الإنسان حوالي 6 آلاف مرض وراثي بشري في شعوب العالم المختلفة. ومعظم الأمراض الوراثية سببها جينات متنحية، أو طفرات تعطل إنتاج البروتينات الطبيعية.

تشكل الأمراض الوراثية والتشوهات الخلقية نسبة عالية من أمراض المواليد الجدد. ويتوقع إحصائيًا أن يصاب طفل واحد من كل 25 طفلًا بمرض وراثي ناتج عن خلل في الجينات. أو بمرض له عوامل وراثية، مثل: عيب خلقي، وتأخر عقلي. وتسعة من هؤلاء المصابين بهذه الأمراض يتوفون باكرا أو يحتاجون إلى البقاء في المستشفيات لمدة طويلة .
وفي العالم العربي تمثل الأمراض الوراثية مشكلة كبرى في مجال الصحة العامة. وتسهم عوامل عديدة في انتشارها الواسع في المنطقة منها ارتفاع معدل زواج الأقارب.
تعريف العلاج الجيني وطرقه
يعرف العلاج الجيني على أنه استبدال الجين السليم الذي يؤخذ من المريض نفسه أو من إنسان آخر بالجين الممرض أو المسبب للمرض الوراثي.
توجد عدة طرق أو بروتوكولات معتمدة للعلاج الجيني في عدة دول مثل: أمريكا ١٣٥ بروتوكولًا، و ٦٠ في أوروبا. وواحد في الصين، وآخر في اليابان وكلها تعتمد على الأسس التالية:
-التعرف على الموقع الجيني المستهدف للعلاج
-إحلال أو إضافة الجين السليم مكان الجين المعطوب عن طريق الحقن المباشر. أو استخلاص الخلايا المستهدفة وعلاجها خارج الكائن الحي ثم حقنها ثانية في الجسم بطريقة غير مباشرة.
-نقل الجين السليم عن طريق ناقل إلى الخلايا المستهدفة، ومن أهم النواقل الفيروسات بأنواعها .
-يجب أن يصل الجين إلى عدد كاف من الخلايا المستهدفة ليستقر بها ويعبر عن نفسه.
تقسيمات العلاج الجيني
يمكن تقسيم العلاج الجيني إلى عدة تقسيمات حسب طريقة إدخال الجين إلى خلايا الجسم. أو طبقا للخلايا المستهدفة للعلاج in vivo داخل الكائن ex vivo خارج الكائن الحي أو خلايا جسمية أو جنسية.

استخداماته في علاج الأمراض المختلفة
مازالت المعالجة الجينية للأمراض تحت التجارب على الحيوان وهناك تجارب محدودة على الإنسان بداية من سنة ١٩٩٥م. حيث بدأ العالم اندرسون في معهد الصحة الأمريكي تجاربه على سرطان المخ وحقق بعض النجاح، ومازالت الأبحاث مستمرة. كما أعلن في الصحف سنة ٢٠٠٧م عن نجاح علاج العمى الوراثي بالعلاج الجيني في أحد مستشفيات لندن الأول مرة على حيوانات التجارب.
ومن أهم الأمراض المرشحة للعلاج أمراض السرطان والأمراض الوراثية مثل أمراض التليف الكيسي. وأمراض الدم، مثل: الهيموفيليا بأنواعها . كذلك يمكن استخدامه في أمراض الأيض أو التمثيل الغذائي الناتجة عن خلل في وظائف أجهزة الجسم.

أهم الصعوبات التي تواجه تطبيقه
يعتبر العلاج الجيني من التقنيات الحديثة التي تحتاج إلى خبرة وإلمام كامل بطرق العلاج والبروتوكولات المعتمدة والمطبقة في كثير من الدول المتقدمة.
كذلك من أهم الصعوبات عدم ثبات الجين المنقول ومشاكل الجهاز المناعي. والأمراض متعددة الجينات واحتمال تنشيط الجينات الضارة مثل جينات الأورام. نتيجة الدمج الخاطئ للجينات السليمة في غير أماكنها المستهدفة، بالإضافة إلى النواحي اللأخلاقية والدينية.
ويمكن في المستقبل التغلب على هذه الصعوبات ونشر تطبيقه في معظم دول العالم. يمكن التعرف على معظم جينات الأمراض الوراثية وعلاج الأمراض الخطيرة مثل السرطان والإيدز وغيرهما. ونحن في انتظار الوعود الحالمة لهذه التقنيات الحديثة ومدى إمكانية تطبيقها في البلدان النامية. هذا الذي سوف تراه في المستقبل القريب.



















