من أجمل اللحظات التي يمكن أن يعيشها الوالدان مع الأبناء هل تلك التي تقضى في زراعة بذور أو شتلات أو نبتة صغيرة في حديقة المنزل أو حديقة عامة أو أرض قاحلة لتبعث فيها الحياة من جديد. إن مشاركة الأبناء في رعاية النباتات وسقيها وتقليمها تجربة تربوية وإنسانية فريدة تغرس فيهم حب الطبيعة والإحساس بالمسؤولية تجاهها، كما أنها تعلم الصبر والمثابرة وتعيد التوازن بين الإنسان وبيئته في زمن غلبت عليه الشاشات والأجهزة الإلكترونية وقل فيه الاحتكاك بالعالم الحقيقي والأنشطة الخارجية.
الزراعة بذرة الحياة
إن الزراعة مهنة ضاربة في جذور التاريخ الإنساني منذ فجر الحضارات، وعرفت بكونها مهنة الأنبياء والصالحين. وتعد أساس القيام الحياة وعمود الأمن الغذائي والاقتصادي لكل أمة.
تتنوع النباتات والمزروعات من بلد إلى آخر وفق المناخ وطبيعة التربة، فيوجد من تميز بزراعة النخيل. وآخر بالحمضيات أو أشجار الزيتون أو النباتات الموسمية. ومن الجميل أن تشجع الأسر أبناءها على زراعة ما يناسب بيئتهم المحلية. ولو في أوعية أو أحواض صغيرة داخل المنازل أو على الشرفات.

كما يستحسن أن تخصص الدول أياما وطنية من العام تشجع بها جميع المواطنين على زراعة الأراضي العامة بنباتات زينة أو مثمرة. وتحويل المساحات الجرداء إلى واحات خضراء بمشاركة الأفراد والأسر والمدارس. إن تنظيم مثل هذه المبادرات يجعل من التشجير عادة وطنية تسهم في ازدهار البيئة وتحسين جودة الحياة.
لماذا الزراعة ؟
أولًا
تعليم الأبناء أن الزراعة هي من طرق عمارة الأرض فإعمار الأرض هدف أساسي لوجوده على هذه الأرض. وإعمار الأرض لا يكون بالعمران والبناء والصناعة فقط بل بالزراعة والإنتاج أيضا.
ثانيًا
تعليم الأبناء الاهتمام وحب الزراعة والنباتات معناه الاهتمام بالطبيعة وبجمالها وبمخلوقات الله تعالى الكثيرة والمتعددة.
ثالثًا
تعليم الأبناء الزراعة ينمي لديهم الحس الوطني والقومي للاهتمام بالجمال في بيوتهم وبلادهم وبزراعتها وبالحفاظ عليها خضراء منعشة جميلة.

رابعًا
إعلام الأبناء أن الزراعة مصدر دخل قومي مهم وأساسي للكثير من البلاد، سابقًا واليوم ومستقبلًا. وقد يعمل الطفل الذي تعود الزراعة وأحبها مشروعًا اقتصاديًا في المستقبل قائما على الزراعة. فيسهم في تقدم بلاده وإعالة نفسه وأهله.
خامسًا
توجيه الأبناء إلى أن الزراعة تسهم في حل الكثير من المشكلات اليوم كالاحتباس الحراري. لأن الأشجار تنتج الأكسجين وتمتص ثاني أكسيد الكربون، وحل مشكلة المجاعات والفقر والبطالة والتزايد في عدد البشر مع نقص الغذاء. وحل مشكلات اقتصادية قومية كثيرة لو تم التركيز على المشروعات الزراعية.
سادسًا
مزاولة الزراعة تعلم الأبناء الصبر، فالمزروعات لا تكبر بين يوم وليلة، بل إنها من النشاطات التي تتطلب الصبر والمتابعة والاهتمام بالآخر.
سابعًا
الزراعة مع الأبناء تعلمهم أن نأكل مما تزرع، وتلبس مما نصنع لا أن تعتمد على الآخر وعلى استيراد كل شيء.

ثامنًا
ممارسة الزراعة مع الأبناء تورث السعادة والمتعة لقيامهما بنشاط مشترك مفيد وممتع، ويجعل بينهما اهتمامات مشتركة، وهذا الاهتمام يبدأ منذ الصغر، فلا ينتظر الأب ابنه كي يكبر ليشاركه في الزراعة. فجميع الأبناء قادرون عليه صغارًا وكبارًا ذكورًا وإناثًا.
تاسعًا
تشجيع الأبناء على الزراعة في البيت يعني أن نأكل منتجات نباتية صحية من الفواكه والخضار خاصة مع انتشار الهرمونات في المزروعات التجارية اليوم، ما جعلنا نأكل الكثير من الثمار المهجنة والممتلئة بالهرمونات والكيماويات التي تسبب عبر الزمن الكثير من الأمراض في الجهاز الهضمي والعصبي، والتي لايعرف سببها .
عاشرًا
تعليم الأبناء الاهتمام بالزراعة معناه تشجيعهم الاهتمام بالثروة الحيوانية، لأن جميع الحيوانات تعتمد على النباتات في استمرار حياتها، والثروة الحيوانية مهمة لبقاء الإنسان على قيد الحياة، فهي سلسلة مستمرة.

الحادي عشر
تشجيع الأبناء على حب الزراعة هو تشجيع لهم على العطاء وعلى محبة الآخرين ومساعدتهم والبعد عن الأنانية. فما نزرعه اليوم نأكل منه نحن أو غيرنا وقالوا قديمًا: “زرعوا فأكلنا، وتزرع فيأكلون”.
هواية الزراعة هي مدرسة حياة تعلم الأبناء قيم الصبر والمسؤولية والانتماء ، وتعيدهم إلى فطرتهم الأولى في حب الأرض والعطاء. فكل بذرة تغرس اليوم هل وعد بمستقبل أخضر، ووطن نابض بالحياة.

















