لون “الدمة” ليس منتشرًا بين كل قبائل عسير؛ بل هو خاص ببعض قبائل السراة وتهامة. وقد ارتبط هذا الفن في المقام الأول بـ”رقصة الحرب”؛ حيث كان يستخدمه الأجداد في الأيام التي سبقت توحيد المملكة لتمجيد الشجاعة والإثارة والقوة والسرعة في الأداء. ما جعله من الفنون الاستعراضية ذات الطابع الحماسي.
ومع استتباب الأمن، تعددت استخدامات “الدمة” لتصبح مظهرًا من مظاهر التعبير عن الفرح في المناسبات الاجتماعية والاحتفالية. وتمارس “الدمة” في:
- الأعياد والزيجات.
- استقبال الضيوف.
- مناسبات الختان.
وبحسب هيئة تطوير منطقة عسر، تتشكل الدمة في صفوف تؤدي حركات إيقاعية مع ترديد الأبيات الشعرية التي ينطقها “شاعر الدمة“، الذي يمثل ركنًا أساسيًا في هذا الفن.

الخصوصية الشعرية لـ”الدمة”
إن جماليات هذه الرقصة لا تقتصر على حركتها وإيقاعها؛ بل تكمن في نظامها الشعري الدقيق والمعقد الذي يجب أن يتناغم تمامًا مع لحن الرقصة. فشعر الدمة يتميز عن بقية فنون الشعر الموروث بتركيبة خاصة:
- المقاطع: ينفرد شعر الدمة بمقطعين، قد يتكون كل منهما من شطرين. أو ثلاثة، أو أربعة، أو حتى سبعة أشطر (مخمس أو مسبوع).
- القافية والأوزان: تتوازن قافية الشطر الأول مع الثاني. وتختلف في الثالث والرابع وهكذا، مع توافق الأوزان في المقطع الثاني.
- التعقيد: يعتبر شعر الدمة من أصعب الأبيات تركيبًا، ولهذا السبب، فإن عدد شعرائه قليل في هذا الوقت، رغم وجود قصائد قديمة تسمى “المناضيم” تصل إلى أكثر من 80 بيت شعر.

شعراء الدمة وقصائد خالدة
كما تحتفظ المجالس العسيرية بأسماء وقصائد شعراء الدمة البارزين الذين عاشوا قبل عقود طويلة، ومنهم: الشاعر معني الناجحي من بني مغيد (قبل حوالي 200 عام). والشاعر محمد بن مانع الهازمي من رجال ألمع، وعلي بن ظافر من آل سعيدي، وعلي بن عبده الجفالي من آل عاصمي.
وتوضح قصائد هؤلاء الشعراء عمق هذا الفن. ومن الأمثلة المؤثرة قصيدة الشاعر محمد بن يحيى التي كانت بمثابة وصية لحامل البندقية آنذاك: “ومعي وصية للمبندق لا يملها / من ليس له قلبين ما يعرف يشلها”.
كما تظهر أبيات الشاعر بن عشقة مدى التعقيد اللفظي والتركيبي الذي يميز شعر الدمة. كأبياته التي تتضمن تحدياً شعرياً بقوله: “جاك المترجم واعجب المجمع تراجمه / والموج متجلجل يالجاهل تراجمه”.
يبقى لون هذه الرقصة شاهدًا حيًا على أصالة التراث في عسير. علاوة على مهارة شعرائها في صياغة فن حماسي يجمع بين قوة الأداء الراقص وعمق البناء الشعري.


















