تخيلي أنك تجلسين مع صديق، تشعرين بغضب داخلي تجاهه، ولكن بدلًا من التعبير عن هذا الغضب مباشرة، تبدأين بتجاهله وتجنب النظر إليه. هذا السلوك، الذي قد يبدو غامضًا وغير منطقي، هو ما نسميه “العدوان السلبي”. إنه نمط سلوكي معقد، يجمع بين الرغبة في التعبير عن الغضب أو الاستياء، والخوف من المواجهة المباشرة.
في هذا التقرير، يتحدث الدكتور علي عبد العاطي أستاذ الصحة النفسية مع مجلة “الجوهرة” عن العدوان السلبي وتأثيره على الصحة النفسية للفرد والمجتمع.
ما هو العدوان السلبي؟
قال الدكتور عبد العاطي: العدوان السلبي هو شكل من أشكال الاتصال غير المباشر؛ إذ يعبر الشخص عن غضبه أو استيائه بطرق خفية وغير مباشرة. بدلًا من التعبير عن مشاعره بشكل صريح، ويلجأ إلى سلوكيات سلبية؛ مثل: تجاهل الأشخاص الذين يكن لهم هذا الشعور ويتجاهل طلباتهم. وبالتالي تجاهل المهام والوجبات المطلوبة منه.
وأضاف الدكتور عبد العاطي، في معظم الحالات يتواجد هذا الشعور بسبب الضغط النفسي الواقع على هذا الشخص؛ ما يؤثر عليه نفسيًا.
وتابع الدكتور علي، تظهر أعراض هذا السلوك إما عن طريق التجاهل التام والنسيان المتعمد للأشياء والمهام أو السخرية اللاذعة التي تظهر في النكات أو التعليقات الساخرة أو الشكوى المستمرة أو حتى انتقاد الآخرين بطريقة غير مباشرة.
وأوضح استاذ الصحة النفسية، أن العدوان السلبي قد يبدو أقل حدة من أشكال العدوان الأخرى، لكنه قد يؤدي إلى تآكل العلاقات. وقد تتوقف عن الثقة في شخص عدواني سلبي؛ لأنك لا تستطيع أبدًا معرفة ما يريده. إذا تصرف شريكك في علاقة رومانسية بهذه الطريقة، فقد تشعر بالعزلة أو عدم الحب. أما في مكان العمل، يمكن أن يقوض العمل الجماعي، كما يساهم في بيئة عمل غير منتجة وسامة.
وأردف: سواء ظهرت هذه السلوكيات في حياتك الشخصية أو المهنية؛ فإن التعامل مع شخص عدواني سلبي قد يكون مرهقًا. قد تشعر وكأنك تمشي على قشر البيض باستمرار أو عالقًا في محاولة فهم ما فعلته خطأً. لأن ردود أفعال الشخص العدواني تكون دائمًا غير مفهومة أو غير مبررة .

لماذا يلجأ الناس إلى العدوان السلبي؟
وتابع الدكتور عبد العاطي: “هناك العديد من الأسباب التي تدفع الناس إلى اللجوء إلى العدوان السلبي؛ منها:
- الخوف من الصراع: قد يخاف الشخص من المواجهة المباشرة أو من إفساد العلاقة مع الأخرين، على الرغم من تأثره نفسيًا بفعل معين.
- انخفاض احترام الذات، وهو السبب الأكثر خطورة؛ إذ يعتقد الشخص أنه لا يستحق التعبير عن احتياجاته أو مشاعره؛ما يقودنا إلى مشكلة نفسية أكثر خطورة. فقد يتجنب الشخص الذي يشعر بأنه “غير جدير” أو “غير مهم” تأكيد نفسه. ومع ذلك؛ فإن العدوانية السلبية قد تمنحه بعض الشعور بالقوة؛ حيث من المرجح أن يؤدي ذلك إلى إثارة رد فعل من الآخرين.
وأضاف: صعوبة التعبير عن المشاعر من الأسباب الهامة التي يجب ألا نغفلها؛ فقد يجد الشخص صعوبة في تحديد مشاعره والتعبير عنها بشكل صريح. وبالتالي لا نستطيع التعبير عما يؤذينا، من تصرفات الاخرين؛ ما يعد سببًا قويًا لظهور العدوان السلبي؛ مثل الطفل الذي يرفض توجيهات الوالدين؛ لأنها تخالف ما يطمح اليه وبالتالي تجاهل نصائحهم عن عمد يعد من أشكال العدوان السلبي.
آثار العدوان السلبي
وعن آثاره، قال الدكتور على عبد العاطي، إن العدوان السلبي له آثار سلبية على العلاقات الشخصية والمهنية؛ إذ يؤدي إلى:
- تآكل الثقة؛ إذ يصعب على الآخرين الثقة في شخص يتصرف بشكل غير متوقع أو يتجنب المواجهة.
- زيادة التوتر، يؤدي التوتر الناتج عن عدم حل المشكلات إلى زيادة التوتر في العلاقة بينه وبين الآخرين.
- سوء الفهم، يؤدي عدم الوضوح في التواصل إلى سوء الفهم والاتهامات المتبادلة.
- تدمير العلاقات، وهذه النتيجة النهائية للعدوان السلبي؛ إذ يمكن أن يؤدي إلى تدمير العلاقات القائمة وتقويض بناء علاقات جديدة.

خاص لـ “لجوهرة”ما هو العدوان السلبي وتأثيره السلبي على السلوك ..يشرحه أستاذ صحة نفسية
كيف تتعامل مع الشخص العدواني السلبي؟
وأكد استاذ الصحة النفسية، أنه عند التعامل مع الأشخاص العدوانيين السلبيين، من المهم فهم أنماط سلوكهم وما قد يحفزها.
وقال: “في بعض الحالات، قد لا يكون الشخص على دراية بسلوكه وسيحاول التغيير بعد أن تنصحه وتشرح له ما يشعر به وعادةً هذا يحتاج إلى متخصصين للقيام بهذه المهمة”.
كما أوضح أنه من الممكن أيضًا أن يفشلوا في الاعتراف بعدوانهم السلبي، خاصةً إذا كانوا في موقع سلطة أو إذا كان السلوك مرتبطًا باضطراب في الشخصية؛ في هذه الحالة؛ فإن أفضل استراتيجية هي وضع حدود صحية مع الشخص.
كما أشار إلى أن التعامل مع الشخص العدواني السلبي يمكن أن يكون تحديًّا كبيرًا، ولكن هناك بعض الاستراتيجيات التي يمكن أن تساعد:
-
التعرف على السلوك:
حاول تحديد الأنماط السلوكية المتكررة التي تدل على العدوان السلبي؛ فمثلا في بعض الأحيان يكون السلوك والأسباب الشائعة واضحة. ينزعج زميلك في العمل كلما قدمت له ملاحظات. كما يمكن ملاحظة ما إذا كان زميلك يتجنب التواصل البصري معك، أو يطوي ذراعيه على صدره؛ ما يشير إلى أنه منزعج منك.
-
الحفاظ على الهدوء:
حاول الحفاظ على هدوئك وعدم الانجرار إلى السلوك نفسه. إن المناقشة الصريحة قد تكون لها فوائد. ولكن قد يكون قول ذلك أسهل من فعله؛ فقد يصبح الشخص الآخر دفاعيًا وينكر سلوكه، أو يستخدم السخرية لصرف الانتباه، أو يتجاهل حقًا ما فعله. ومهما كان رد فعلهم؛ فسوف تحتاج إلى إبقاء إحباطك تحت السيطرة. بدلًا من اللجوء إلى قول أو فعل أشياء يمكن أن تزيد من الخلاف بينكما، استخدم تعبيرات وسلوكيات تحافظ على هدوئك.
-
التواصل بوضوح:
عبر عن مشاعرك واحتياجاتك بشكل واضح ومباشر، ولكن بلطف واحترام. إذا كان ذلك من الممكن أن يسبب لك توترًا حاول تدوين ما قام به زميلك وآثار غضبك منه. لا تبدأ المحادثة عندما يكون زميلك في العمل في عجلة من أمره لتلبية موعد نهائي. كما يجب أن تجري المحادثة في وقت يكون فيه كلاكما قادرًا على منحها كامل انتباهكم. كما نبَّه الدكتور علي، بأن هناك طريقة آخرى للتواصل؛ قائلًا: “يمكن أن تساعد الفكاهة على فهم الموضوع من منظور مختلف، وخلق شعور بالألفة، وتقليل الصراع والتوتر”ّ. وأكد: “يمكن أن يكون الضحك الموجه ذاتيًا أمرًا مفيدًا، ويمكن أن تساعدك الإشارة إلى نكتة داخلية بينكما على تقوية العلاقة. فقط تجنب مضايقة الشخص الآخر بشأن سلوكه”.
-
تحديد الحدود:
حدد حدودًا واضحة لسلوكك، وقم بتطبيقها بثبات؛ فليس من وظيفتك “إصلاح” الشخص الذي يتصرف بطريقة عدوانية سلبية، حتى لو كان شريكك أو أقرب أصدقائك. وإذا لم يتغير سلوكه أو لم يعترف بمشاكله، فقد تحتاج إلى وضع حدود للتواصل. كما يمكنك تقديم إرشادات محددة حول كيفية توقع معاملتك. وما هي العواقب إذا تجاوز هذه الحدود؟

لماذا يلجأ الناس إلى العدوان السلبي؟
أشكال أخرى من العدوان
واشار دكتور الصحة النفسية إلى أنه يوجد أشكال أخرى من العدوان؛ قائلًا: “غالبًا ما يتم إساءة استخدام مصطلح “العدوان السلبي” والخلط بينه وبين أشكال أخرى من السلوك. وفيما يلي كيفية اختلافه عن العدوان الخفي والعدوان العلني.
العدوان الخفي: والعدوان الخفي سري، لكنه نشط وليس سلبيًا. والشخص الذي ينشر شائعات سلبية في العمل أو يخطط لمؤامرة للتلاعب بشخص آخر هو منخرط في عدوان خفي. ويمكن أن ينطبق الشيء نفس على الشخص الذي يقوم بتخريب أو سرقة الممتلكات سرًا.
- يمكن لبعض أشكال الاتصال غير المباشر؛ مثل: “السخرية، والمجاملات غير المباشرة، أن تطمس الخط الفاصل بين العدوان السلبي والعدوان الخفي”.
العدوان الصريح: يتضمن العدوان الصريح أفعالًا عدائية صريحة. بمعنى أن المعتدي لا يحاول التستر على أفعاله. كما يمكن أن تتضمن الأفعال العدوانية أي شيء من الشتائم إلى التنمر الجسدي على شخص آخر.
واختتم الدكتور علي عبد العاطي حديثه مع “الجوهرة” قائلًا: “العدوان السلبي هو نمط سلوكي معقد يمكن أن يؤثر على العلاقات الشخصية والمهنية. ومن خلال فهم أسباب هذا السلوك وكيفية التعامل معه، يمكننا بناء علاقات أكثر صحة وإنتاجية”.



















