جيل زد يعيد إحياء «الهواتف الغبية».. هل بدأ عصر التخلص من إدمان الشاشة؟

جيل زد يعيد إحياء «الهواتف الغبية».. هل بدأ عصر التخلص من إدمان الشاشة؟
جيل زد يعيد إحياء «الهواتف الغبية».. هل بدأ عصر التخلص من إدمان الشاشة؟

في وقت أصبحت فيه الهواتف الذكية جزءًا رئيسًا من تفاصيل الحياة اليومية، بدأ اتجاه لافت في الظهور بين أفراد جيل زد، يتمثل في التخلي عن بعض مزايا التكنولوجيا الحديثة والعودة إلى الهواتف التقليدية محدودة الإمكانات، في محاولة لاستعادة الوقت وتقليل الاعتماد على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

ويأتي هذا التوجه في ظل تزايد الوعي بتأثير الساعات الطويلة أمام الشاشات، وما يرتبط بها من تمرير مستمر للمحتوى والتنقل بين التطبيقات، ليظهر ما يعرف بـ«الانفصال الرقمي» أو Digital Detox، باعتباره محاولة لإعادة تنظيم العلاقة مع التكنولوجيا بدلًا من الانغماس فيها بصورة دائمة.

جيل نشأ متصلًا بالإنترنت

تكشف بيانات حديثة حجم ارتباط الأجيال الأصغر بالعالم الرقمي. فوفق استطلاع أجرته مؤسسة Pew Research عام 2024، قال نحو نصف المراهقين تقريبًا إنهم متصلون بالإنترنت «على الدوام تقريبًا».

وبخلاف جيل الألفية الذي عاصر مرحلة انتقالية عاش فيها جزءًا من طفولته بعيدًا عن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، نشأ جيل زد وجيل ألفا في بيئة رقمية متكاملة، أصبحت فيها الهواتف الذكية والمنصات الاجتماعية جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية.

لكن هذه العلاقة بدأت تشهد تحولًا تدريجيًا، إذ أصبح بعض أفراد جيل زد أكثر إدراكًا للوقت الذي يستهلكه العالم الرقمي، الأمر الذي دفعهم إلى البحث عن وسائل تساعدهم على الابتعاد عن الشاشة، حتى لو كان ذلك من خلال العودة إلى أجهزة كانت تبدو قديمة قبل سنوات قليلة.

«الهواتف الغبية» تعود إلى الواجهة

تعد الهواتف التقليدية، التي تعرف باسم «الهواتف الغبية» أو Dumb Phones، أبرز رموز هذا الاتجاه. وعلى الرغم من أن سوقها لا يزال محدودًا مقارنة بالهواتف الذكية، فإنه يشهد نموًا متزايدًا.

وبحسب تقرير صادر عن Research and Markets، من المتوقع أن يرتفع حجم سوق الهواتف التقليدية من 39.11 مليار دولار في عام 2025 إلى 49.66 مليار دولار بحلول عام 2030.

ولا يقتصر الأمر على شركات صغيرة متخصصة في هذا النوع من الأجهزة، بل بدأت علامات تجارية معروفة في إعادة إحياء نماذج قديمة، مستفيدة من موجة الحنين إلى التكنولوجيا التي سبقت عصر التطبيقات ووسائل التواصل الاجتماعي.

وسائل التواصل الاجتماعي تروج للعودة إلى الهواتف البسيطة

وبحسب “العربية” المفارقة أن وسائل التواصل الاجتماعي نفسها أصبحت إحدى الأدوات التي ساعدت على انتشار هذه الظاهرة. فعلى منصات مثل «تيك توك»، حظي وسم #bringbackflipphones، الذي يدعو إلى إعادة الهواتف القابلة للطي، باهتمام واسع، بالتزامن مع انتشار دعوات لإحياء أجهزة قديمة مثل بلاك بيري.

وقالت شركة Light، المطورة لهاتف Light Phone، لشبكة CNN، إن عدد مستخدمي أجيال هواتفها الثلاثة تجاوز 100 ألف مستخدم. كما أعلنت شركة Punkt السويسرية، المتخصصة في إنتاج الهواتف البسيطة، أنها تبيع نحو 50 ألف هاتف سنويًا عبر منتجاتها المختلفة.

وفي الاتجاه نفسه، أعادت شركة HMD، الحاصلة على ترخيص استخدام علامة «نوكيا»، طرح هاتف Nokia 3210 الشهير، بينما تضاعفت مبيعات هواتفها القابلة للطي بين عامي 2022 و2023، وفق ما نقلته CNN عن الشركة.

جيل زد يعيد إحياء «الهواتف الغبية».. هل بدأ عصر التخلص من إدمان الشاشة؟
جيل زد يعيد إحياء «الهواتف الغبية».. هل بدأ عصر التخلص من إدمان الشاشة؟

«نيوترو».. عندما يشتاق جيل زد إلى ماضٍ لم يعشه

لا تبدو العودة إلى الهواتف التقليدية ظاهرة منفصلة، بل تأتي ضمن موجة ثقافية أوسع تعرف باسم «نيوترو» أو Newtro، وهي ثقافة بدأت في كوريا الجنوبية وانتشرت لاحقًا في دول أخرى، وتقوم على إعادة تقديم عناصر من الماضي بأسلوب يناسب الأجيال الجديدة.

ويظهر هذا الاتجاه في اهتمام جيل زد بأجهزة مثل آيبود القديمة، وسماعات الرأس السلكية، وأجهزة Sony Walkman، إلى جانب عودة أسطوانات الفينيل وأشرطة الكاسيت والتصوير باستخدام الأفلام.

كما استعادت علامات مثل «كوداك» و«بولارويد» جزءًا من الاهتمام، في وقت عادت فيه صيحات Y2K إلى عالم الموضة، بعدما أعاد جيل زد اكتشاف الأزياء والجماليات المرتبطة ببدايات الألفية الجديدة.

لكن المفارقة أن كثيرًا من أفراد جيل زد لم يعيشوا بالفعل تلك الفترة، ما يجعل الظاهرة أقرب إلى «الحنين إلى شيء لم يعشه»؛ أي البحث عن صورة متخيلة لعصر كانت فيه التكنولوجيا أقل حضورًا في تفاصيل الحياة.

محاولة لاستعادة السيطرة على الوقت

وراء هذا الاتجاه أسباب تتجاوز الموضة والحنين إلى الماضي. فبالنسبة إلى كثير من المستخدمين، تمثل الهواتف البسيطة وسيلة للحد من الاستخدام المفرط للتكنولوجيا واستعادة قدر أكبر من السيطرة على الوقت والانتباه.

ويأتي ذلك في ظل ما يعرف بـ«اقتصاد الانتباه»، حيث تعتمد العديد من المنصات الرقمية على إبقاء المستخدم لأطول فترة ممكنة داخل التطبيق، من خلال الإشعارات والخوارزميات والمحتوى المتجدد باستمرار.

ومن هنا، ينظر بعض أفراد جيل زد إلى الهاتف التقليدي باعتباره وسيلة عملية للخروج من دائرة التمرير اللانهائي، مع الاحتفاظ بالوظائف الأساسية مثل إجراء المكالمات وإرسال الرسائل.

هل انتهى عصر الإنترنت الذي عرفه جيل الألفية؟

يتزامن هذا التحول مع تغيرات كبيرة يشهدها الإنترنت نفسه، خصوصًا مع صعود الذكاء الاصطناعي وتحول العديد من الخدمات الرقمية إلى تجارب تعتمد بصورة متزايدة على الخوارزميات والتوصيات الشخصية.

وبالنسبة إلى جيل الألفية، كان الإنترنت في بداياته مساحة جديدة للتواصل والاكتشاف والإبداع، قبل أن تتحول أجزاء كبيرة منه لاحقًا إلى منصات تعتمد على التفاعل المستمر وجمع البيانات وتخصيص المحتوى.

أما الأجيال الأصغر سنًا، فتبدو أكثر رغبة في اكتشاف شكل مختلف من الحياة الرقمية؛ حياة لا تفرض فيها التكنولوجيا حضورها على مدار الساعة. ولا يقتصر هذا القلق على الشباب، إذ يشعر بعض الآباء أيضًا بالحاجة إلى الحد من تعرض أطفالهم للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، مع تزايد النقاش حول طبيعة تصميم المنصات الرقمية وقدرتها على تشجيع الاستخدام المتكرر.

التكنولوجيا أداة.. وليست أسلوب حياة

في النهاية، لا تشير عودة «الهواتف الغبية» بالضرورة إلى رغبة جيل زد في التخلي عن التكنولوجيا أو العودة الكاملة إلى الماضي، بقدر ما تعكس محاولة لإعادة تحديد طبيعة العلاقة معها. فالهاتف التقليدي بالنسبة إلى بعض المستخدمين ليس مجرد جهاز قديم، وإنما وسيلة للابتعاد عن الإشعارات المستمرة والخوارزميات والمحتوى الذي لا ينتهي، واستعادة مساحة من الوقت بعيدًا عن الشاشة.

وبذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان جيل زد سيستبدل الهواتف الذكية بالهواتف التقليدية بشكل كامل، وإنما ما إذا كان هذا الجيل يضع بداية لنمط جديد من التعامل مع التكنولوجيا، تصبح فيه التكنولوجيا أداة يختار الإنسان متى وكيف يستخدمها، بدلًا من أن تتحول إلى قوة تتحكم في وقته وانتباهه.

الرابط المختصر :