الواقعيـة الشعـرية في السينما الفرنسية

إذا كان اهتمام هوليوود بالتسلية في أفلامها، وألمانيا بالأفلام السيكولوجية، وروسيا بالملاحم الاجتماعية، فإن فرنسا كانت هي الرائدة في السينما الغنائية والواقعية.

الواقعية سليلة التراث الفرنسي

الواقعية الشعرية هي رافد أسلوبي احتوته أفلام سنوات الثلاثينات من القرن الماضي، واعتبرت في فرنسا بوجه خاص حركة فنية سليلة التراث القومي، وهذا الاهتمام بالتراث القومي هو الذي قاد السينما للواقعية الفرنسية، وهو المشروع الفرنسي في كل الفنون منذ عمارة القرون الوسطى، إلى الرسم والموسيقى والأدب في كل العصور.

مارسيل كارنيه

البدايـــــة

لقد جرى تسمية مصطلح “الواقعية الشعرية” على رواية كتبها مارسيل إيميه 1929 تحولت إلى فيلم بعنوان “شارع بلا اسم” 1934 من إخراج بيير شيرال، كان لهذا الأسلوب أتباعه في القرن التاسع عشر في الأدب الفرنسي الشعبي الكلاسيكي والأغاني الشعبية والمجلات والصور الفوتوغرافية، ومن روادها في السينما مارسيل كارنيه، ومن أفلامه “طلوع النهار” 1930، و” أرصفة ميناء بروم” 1937، وقد شملت أفلام هذا الاتجاه جان فيجو بفيلم ” الأطنطيد” 1934، أفلام جان جريميون “شكلالحب”، وفيلم “السيدة القاتلة” 1937، ثم جان رينوارفي فيلم الوحش الآدمي 1938، وقد استقبل الجمهور هذه الأفلام وغيرها ممن سار على نفس الاتجاه بحفاوة كبير داخل فرنسا وخارجها، وكان الاعجاب عظيما بأسلوبها المتميز وأماكن التصوير التي اعتبرت موحية كفيلم هوليوود “الأسود”.

                                                                         مارسيل إيميه

أعوام النضـج

من المتفق عليه أن فيلم كارنيه الكلاسيكي المحبوب “أطفال الجنة” 1945. هو ذروة النضج للواقعية الشعرية وأجمع تصويت النقاد أكثر من مرة على أنه أفضل الأفلام في كل الأزمنة. وتناولت الدراسات السينمائية الواقعية الشعرية كمظهر للسينما الفرنسية القومية وذلك لصيغتها التاريخية والثقافية والسياسية. ويرى جان جريميون أن هذا الأصل للفن الفرنسي قد أبدى اهتمامًا خاصًا لمظاهر سطحية صغرى للحياة المادية والاجتماعية. ومثل هذه الملاحظات التي بدت عشوائية رفعت من الفن الفرنسي إلى مستوى جعلته يحصل على كثافة وصفية ورمزية. وأكدت السينما الفرنسية خلال هذه الفترة أنها واقعية بشكل متميز خاصة عندما تستحضر بشكل رسمي علاقات خفية بين الأشياء والمخلوقات وبين العالم الخارجي والعالم الداخلي.

وصف الكاتب الفرنسي بيير ماك أورلان 1882 ـ 1970، الواقعية الفرنسية بأنها واقعية شعرية ممتازة، ومتميزة، ومنذ عام 1936 شهدت فرنسا ذروة التيار الواقعي العميق الجذور بمجموعة أفلام قدمها شباب السينما تضمنت تمجيدًا لباريس الشعبية وحاراتها الريفية ورافعاتها التي تهتز فيوق أرصفة موانئها. ثم ما لبثت هذه الحركة أن فترت فكانت كما وصفه أحد النقاد برحيل المراكب تحت دخان أسود كم لو كان لونه ثوب الحداد. ولكن عادت الحركة منذ عام 1937 مع أفلام جان فيدر بفيلم “اللعبة الكبيرة” الذي تميز  بالأسلوب الروائي للمناطق الغربية.

الواقعيتان الفرنسية والإيطالية

يبدو الفرق بين الواقعية الفرنسية والواقعية الإيطالية في الأسلوب الشخصي المتسم بالشاعرية لدى المخرجين الفرنسيين. وبين تقنية الواقعية الجديدة الإيطالية الموصوفة بالواقعية الصارمة، ونقطة الاختلاف تكمن في استخدام الصوت. حيث يميل الفرنسيون بشغف إلى صدق الصوت وتفضيل الصوت الروائي على المستوى التقني الذي يتم تسجيله أثناء التصوير. على ذلك المضاف إلى الفيلم بعد التقاطه الصورة مثلما كثيرًا ما نسمع صوت القطار القادم إلى المحطة ليس صوت قطار حقيقي.

المؤثر الحقيقي للواقعية الفرنسية

إن الأب الروحي للحركة الواقعية الشعرية الفرنسية هو مارسيل إيميه الذي نقل الرواية إلى السينما ولكن إسهامه كان محدودا. لأنه تحول بعد ذلك في أسلوبه الأدبي إلى السخرية، أما صاحب المصدر الأكبر الدائم هو  جان ماك أورلان مؤلف فيلم “السرية” وكان اصطلاحه بالنسبة للأدب. الذي كان ينتجه هو وآخرون بين الحربين العالميتين هو “الاجتماعي الخيالي “. والذي فضّله أيضًا مارسيل كارنيه على الواقعية الشعرية في محاولة تحويل الأشياء اليومية والمناظر الطبيعية إلى أماكن للنشوق والنشوة والعذاب.

تضمنت أفلام الواقعية الشعرية عزاء الشخصيات شبه الميثولوجية (الأسطورية والتراثية القديمة) المألوفة مثل العذراء. المعاطف، البرجوازي، الشرير، الاعتراضي، والمرأة الطيبة، والبطل الموثوق به. وأيضًا بالسرد القصصي لهذا العالم المظلم تجد أن الواقعية الشعرية نفسها كانت على اتصال بواحدة من أقوى تقاليد التاريخ السينمائي وهي الرومانتيكية التشاؤمية الكئيبة. ثم أضعفت سياسات حكومة باريس وفيشي القلب الواقعي للحركة وتم اجتناب أفلام الثلاثينات بشكل رسمي. وظهرت السيناريوهات المفسدة للأخلاق ثم تخلى الفرنسيون بشكل واضح عن الالتزام بالواقعية الشعرية. وساعد ذلك على ظهور الإيطاليين الذين راقبوا بدقة السينما الفرنسية آملين إعادة السينما الإيطالية إلى الحياة. وإعلان الواقعية الإيطالية أنها الوريثة للواقعية الفرنسية.

الرابط المختصر :