كتبت- إيناس الجباخنجي:
انتشرت في أيامنا ظاهرة الهوس بالمقاسات والصورة المثالية، وتحول منظور العالم للطعام من كونه وسيلة للتغذية والحياة والمحافظة على الصحة من أجل القيام بأبسط الواجبات اليومية، إلى معركة روتينية ويومية يملؤها الشعور بالذنب وانعدام الثقة مغلفة بالحرمان الغذائي.
وأيضًا التقيد برقم يعرض على واجهة الميزان والتي نجحت وسائل التواصل والإعلانات والعروض في إقناع معظم الناس أنه ما يحدد قيمة الفرد ومكانته وسط المجتمع.
كما فرضت حساب السعرات ومنطق تجويع النفس كشرط للحصول على مكان في الطاولة. متغاضين عن ذلك ما ينتج من أضرار وآثار جانبية عن الحميات التي تقوم على حرمان الجسم مما أبيح له من مأكل.
ما هي حمية الحرمان؟
هي صنف في بحر من أصناف الحميات الغذائية، يقوم على التقليل المفرط في عدد السعرات الحرارية المتناولة خلال اليوم. والامتناع التام عن بعض الأصناف الغذائية الأساسية، مثل: الكربوهيدرات والبروتينات والسكريات.
يفرض هذا النوع على وجه الخصوص تقييدًا شديدًا على كميات الطعام أو نوعيته. فيرفق به شعور بعدم الإشباع والإرهاق النفسي والجسدي والإحساس بالذنب عند تناول أصناف ممنوعة. بغض النظر عن النقص الحاد في العناصر التي يحتاجها الجسم.
والسبب الذي يدفع كثيرين لتبني هذا الصنف هو محدودية رؤيتهم على المدى البعيد. فيتم خداعهم بنقص بعض الكيلوغرامات في الأيام الأولى. ليدخل الجسم بعد ذلك في “وضع النجاة والتأقلم”. وهو آلية بيولوجية تبدأ حين يتم استشعار نقص في المغذيات.

مسيرة حمية الحرمان الغذائي
إن الحرمان الغذائي هو ممارسة تعود جذورها إلى قرون مضت ونشأت انطلاقًا من عدة دوافع دينية واجتماعية وثقافية.
ففي العصور القديمة، العديد من الحضارات كالفرعونية واليونانية وعند الهنود، ارتبط الامتناع عن الطعام بالجانب الروحي. وكان عبارة عن وسيلة لتحقيق التطهير الذاتي والتقرب إلى الإله، والسيطرة على النفس والتحكم في صفة الشراهة.
كما وجد ذلك في شرائع الديانات السماوية اليهودية والمسيحية والإسلام، متمثلًا في الصيام . فلم تكن الغاية آنذاك إنقاص الوزن أو خسارة الدهون، بل تعلق بشكل أكثر بالانضباط والنقاء.
مرورًا إلى العصور الحديثة أين اتخذت المفاهيم مجرى آخر، بدأ الحرمان الغذائي يتخذ طابعًا آخر. وتمحور حول الشكل والمظهر بشكل أساس، خاصة في القرنين التاسع عشر والعشرين.
وارتبط مباشرة بالجانب الجمالي والتفاصيل الجسدية. كما كان لوسائل الإعلام والإعلانات دورًا كبيرًا في نشر هذه المعتقدات السامة. واستهدفت بذلك النساء والفتيات.
وانتهى الأمر بنجاحها في ترسيخ النموذج المثالي الذي يجب أن تتبعه المرأة. فاتجه كثيرون إلى ممارسة الحرمان الغذائي والكثير من أنواع الحميات القاسية التي كان لها آثار جانبية بليغة كالاضطرابات النفسية والغذائية، مثل: فقدان الشهية العصبي”Anorexia nervosa”، والشره أو النهم المرضي “Bulimia nervosa”.
وكان لهذه الظاهرة دافع اجتماعي؛ حيث ازدادت سوءًا بمساهمة الضغوط في الوسط المحيط أو الدائرة الاجتماعية والتمييز الجسدي والشكلي. ومنه تجسد مجسم نمطي يقاس على حسبه تقبل الفرد ومستوى قبوله في المجتمع.

لماذا يعد الحرمان الغذائي ضارًا أكثر من نافع؟
لطالما انتشرت بين أغلبية الناس التي لا تتميز بثقافة البحث في حقائق الأمور، أن من شأن الالتزام بحمية تقوم على الحرمان الغذائي، حرق دهون الجسم في مدة وجيزة. لكن الأمر عكس هذا المعتقد الشائع تمامًا ويتسبب في ما هو عكس النزول الصحي بالوزن، ومن آثاره الجانبية السلبية، ما يلي:
- يبطئ الحرمان الغذائي، عملية الأيض؛ ما يدفع الجسم للدخول في وضع النجاة فيقلل وتيرة حرق الدهون ويخزنها بدلًا عن ذلك.
- التقييد المستمر وكبت الرغبات ينتج عنه بعد مدة نوبات أكل ونهم غير متحكم بها؛ ما يزيد الوزن أضعافًا مضاعفة.
- الآثار الجانبية على الصحة النفسية. كتحفيز إفراز الكورتيزول في الجسم، مما يسبب: القلق، والتوتر، والأكل العاطفي، وفقدان الثقة في النفس، وتزعزع الشخصية. وغالبًا ما يؤدي إلى الاكتئاب.
- الآثار الجانبية على الصحة الجسدية كالشعور بالإرهاق والإنهاك والإصابة بسوء التغذية؛ بسبب نقص الفيتامينات والمعادن الأساسية وما هو ضروري من بروتينات.. إلخ.
- ضعف الجهاز المناعي؛ ما يجعل جسم الإنسان عرضة بشكل أكبر وأسهل للأمراض والالتهابات والعدوى البكتيرية.
- صعوبة في التركيز والميل إلى النوم لفترات مطولة. كتعويض لنقص الطاقة الناجمة عن الجوع المتعمد.
- نقص الكتلة العضلية وكميات كبيرة من الماء بدلًا من الدهون.
- هشاشة العظام وصعوبة التئام الجروح البسيطة منها والخاصة بالعمليات الجراحية.
- اضطراب في عملية الهضم وعدم استقرار مواعيد الدورة الشهرية.

رغم درجات التطور وتقدم الوعي فيما يخص صحة الإنسان، لا يزال الحرمان الغذائي موجودًا متخفيًا، تحت عباءة الحداثة والعلم، يتسرب عبر أنظمة غذائية صارمة أو تحديات رائجة على مواقع التواصل الاجتماعي التي تسوق لنا وهم الكمال. وتصله برباط وثيق بثقافة الدايت التي كانت وما زالت تهيمن على المجتمعات الحديثة.
وكحل لهذه المشكلة من الأنسب الالتزام بالتوازن القائم على الاعتدال والتنوع في الأصناف. والابتعاد عن القسوة على النفس. ويجب الإحاطة علمًا أن الوزن لم يزد بين ليلة وضحاها. فلا تطلب المعجزة في أسبوع، والنزول أو الحرق الصحي دون أي آثار جانبية يقوم على الإرادة والاستمرارية، مرافقًا لمبدأ “ما تراكم ببطء، يرحل ببطء”.



















