مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، يحرص المسلمون على اختيار الأضحية المستوفية للشروط الشرعية والصحية. ومع ذلك. قد يفاجأ البعض بعد ذبح الأضحية بوجود تلون أصفر غير طبيعي يكسو الشحم واللحم والأعضاء الداخلية، وهو ما يعرف طبيًا بـ اليرقان (Jaundice / Icterus) أو “الصفار”.
هذه الحالة تثير الكثير من القلق حول مدى سلامة اللحم للاستهلاك البشري وحكمها الصحي والشرعي نتعرف على التفاصيل في هذا المقال.
ما هواليرقان؟
اليرقان ليس مرض مستقل بذاته؛ بل هو عرض ظاهري ومؤشر حيوي يدل على وجود خلل وظيفي جسيم داخل جسم الحيوان. يتجلى هذا العرض في صبغ الأنسجة المخاطية، الشحوم، واللحم باللون الأصفر نتيجة تجمع كميات فائقة من صبغة “البيليروبين” (Bilirubin) في الدم وتسربها إلى الأنسجة. في الحالة الطبيعية. ينتج الكبد هذه الصبغة نتيجة تكسير خلايا الدم الحمراء الهرمة، ثم يتخلص منها الجسم عبر العصارة الصفراوية. ولكن عندما تصاب هذه الدورة بخلل. تترسب الصبغة وتمنح الذبيحة ذلك اللون الأصفر المريب.

الأسباب الطبية ليرقان الأغنام والمواشي
ويصنف الأطباء البيطريون اليرقان في الماشية إلى ثلاثة أنواع رئيسية بحسب مصدر الخلل:
- اليرقان الانسدادي (Obstructive Jaundice): يحدث غالبًا بسبب انسداد القنوات الصفراوية في الكبد. السبب الأكثر شيوعًا في الأغنام هو الإصابة بالديدان الكبدية الطفيلية مثل الفاشيولا (Fasciola hepatica) أو ما يعرف بـ “الدودة الكبدية”، والتي تنمو في القنوات الصفراوية وتمنع تدفق العصارة.
- اليرقان الانحلالي (Hemolytic Jaundice): وينتج عن تكسير متسارع ومفاجئ لخلايا الدم الحمراء بمعدل يفوق قدرة الكبد على المعالجة. يرجع ذلك عادةً إلى الإصابة بطفيليات الدم (مثل البابيزيا والأنوبلازما) أو التسمم بالنحاس، أو الإصابة ببعض البكتيريا المعوية الشرسة مثل “كلوسترديوم بيرفرنجنز من النوع أ” (Clostridium perfringens type A) المسببة لمرض اليرقان المعوي في الأغنام.
- اليرقان الكبدي (Hepatocellular Jaundice): الناجم عن تلف مباشر في خلايا الكبد نفسها نتيجة التسمم بالنباتات السامة، أو الالتهابات البكتيرية الحادة، ما يفقد الكبد القدرة على استخلاص الصبغة من الدم.

الإجراء الطبي البيطري: هل اللحم صالح للاستهلاك؟
ووفقًا لبروتوكولات فحص اللحوم بعد الذبح المعتمدة من منظمة صحة الحيوان العالمية (WOAH) والتشريعات البيطرية المسؤولة عن سلامة الغذاء، فإن التعامل مع الذبيحة المصابة بالصفار يعتمد على تقييم الطبيب البيطري في المسلخ عبر خطوتين:
- الإعدام الجزئي : إذا كان التلون الأصفر خفيفًا جدًا ومحصورًا في عضو معين (كالكبد فقط نتيجة إصابة طفيلية موضعية مثل الفاشيولا) وكانت الأنسجة الأخرى والشحوم طبيعية، يتم إعدام الكبد المصاب فقط، وتجاز بقية الذبيحة للاستهلاك البشري بعد بقائها في التبريد لفترة للتأكد من زوال اللون الحمري أو الشاحب.
- الإعدام الكلي : إذا كان اليرقان عام وشديد (أي أن اللحم، العضلات، الشحوم، والأغشية كلها مصبوغة باللون الأصفر الداكن أو الليموني)، فإن القرار الطبي الحتمي هو الإعدام الكلي للذبيحة والتخلص منها فورًا.
لماذا يعدم اللحم المصاب باليرقان الشديد؟
لأن اليرقان العام يعكس حالة تسمم داخلي أو مرض جهازي حاد أصاب الحيوان قبل ذبحه. هذا اللحم يحتوي على بقايا سموم بكتيرية أو طفيلية. بالإضافة إلى تغير في الخواص الكيميائية والفيزيائية للحم (مثل اضطراب مستويات الأس الهيدروجيني pH). ما يجعله غير صالح للاستهلاك الآدمي ومصدرًا خطرًا لنقل الأمراض أو التسمم الغذائي.
نصيحة للمضحين
ولتجنب هذه المفاجآت المؤسفة يوم العيد، يُنصح دوماً بالآتي:
- الفحص قبل الشراء: تجنب شراء الأغنام الخاملة، أو التي تظهر على عيونها وأغشيتها المخاطية علامات شحوب أو اصفرار. أو التي تعاني من هزال وإسهال.
- الذبح في المسالخ النظامية: إن وجود الطبيب البيطري في المسلخ هو صمام الأمان؛ فهو الكفيل بتمييز اليرقان المرضي الخطير من التلون الأصفر الطبيعي الناتج عن بعض أنواع الأعلاف (مثل الذرة أو الرعي المستمر على الجزر والبرسيم)، وحماية عائلتك من أي مخاطر صحية.



















