هل يقود زخم التطور الثقافي تلقائيًا إلى خلق الشغف بالإبداع؟ أم أن الروح الإبداعية الأصيلة هي التي تغذي الثقافة بومضات من الأفكار النيرة؟ إنها علاقة جدلية، قد يؤدي التطرق إليها إلى الكشف عن الكفة التي تميل إليها الحقيقة. فعندما يعمل الإنسان عقله في موضوع معين، فإنه يفكر فيه، وتكون غايته في أغلب الأحيان الاجتهاد في استحضار قدراته واستلهام أفكاره من أجل التميز في تناوله، والتفرد في أحكامه، أي الإبداع في معالجته. بمعنى أن يثري المفكر موضوعه بإضافة جديدة لم يسبقه إليها أحد، مستلهماً من قوة الابتكار الكامنة فيه عوامل تحقيق قوة التجديد في مجالات العمل وميادين التأثير.
فالثقافة لا تعني الاعتماد فقط على ما هو متاح من مستوى ونوعية العلوم وطبيعة المعرفة بصورة مجردة، بقدر ما تعني أيضًا مدى مساهمتها في جهود تقويم عمليات التربية وتعزيز مساعي تهذيب السلوك الاجتماعي، من خلال التفكير في معالجة الظواهر التي تشمل منهج التعليم ومنظومة السلوك الإنساني. وبهذا يكتسب مفهوم الثقافة معناه، كما يكتسبه أيضًا من كافة الأشكال التعبيرية الأدبية والفنية. وهذا يعني أن مساحة الثقافة في نفس كل إنسان قد تتحدد إيجابًا أو سلبًا تبعًا لقوة تأثير ملكاته العقلية، التي غالبًا ما تبحث عن التطوير وتنشد الكمال.
تراجع الدور التربوي للمدرسة
فالنفس التي ترفض تراجع الدور التربوي للمدرسة، وتأبى أن ترى بنيتها الداخلية ضعيفة ومهترئة ومضطربة فكريًا، تعمل العقل من أجل معالجة أوجه الضعف في برامجها، وتقترح الحلول لاستدراك نقاط القصور في مناهجها، بما يحقق الكفاءة في أداء دورها في تعزيز المنظومة التربوية والأخلاقية والنفسية، ويدعم عطائها وانتماءها وواجباتها واعتزازها بذاتها. وبذلك تمنح الروح الابتكارية مزيدًا من التوهج لجذوة الحس الفكري الوطني والديني.
ويصعب على الكثيرين الاعتقاد بأن القحط الفكري والجفاف الثقافي يمكن أن ينتج إبداعًا حقيقيًا بأي شكل، إذ لا يُتوقع أن ينشغل الفكر بعيدًا عن تأثيرات تفشي الأزمات الصحية المهلكة، وعن ظروف اضطراب المجتمعات أمنيًا، رغم أن هذه التحديات قد تمثل في حقيقتها محكًا لمدى القدرة على تكييف الآراء بطريقة حديثة، للإتيان بجديد أو إعادة عرض واقتراح ما هو قديم بصورة جديدة.
فالظروف الاجتماعية الصعبة تعيق كثيرًا أي جهد أو مبادرة لتشجيع المبدع على أن يرى بطريقة مغايرة ما لا يراه الآخرون، أو أن يُعمل العقل على تنظيم الأفكار بإعادة بنائها من جديد، أو أن يفهم واقعه المتقلب الذي لا يمنح القدرة والطاقة العقلية الفرصة لحل المشاكل بأساليب حديثة وغير تقليدية، لأن الإبداع هو عملية عقلية لإيجاد أفكار ووسائل تشكل إضافة حقيقية للمنتوج الإنساني.
انخفاض سقف القدرات
وفي المناطق التي تتسم بالنزاعات السياسية والحروب والصراعات الطائفية المسلحة والكوارث، ينخفض سقف القدرات إلى مستوى التفكير في مجرد البقاء على قيد الحياة، بينما في مناطق أخرى تتعزز القدرات بحزمة سياسات عامة في مجالات التعليم والثقافة والاقتصاد والاجتماع، من أجل تعبئة ما توفر من إمكانات الإبداع في مواجهة تحديات التنمية، والاستثمار في مجالي التربية والتعليم الفني دعمًا لقطاع الثقافة.
تتأثر “الصناعة الثقافية” باللغة الجامعة لأفراد الأمة الواحدة، كونها أحد أهم القواسم المشتركة للمقومات الأساسية لشخصيتها، فتوحد اللغة يعد سبيلًا موضوعيًا وسهلًا للوصول إلى تقارب الفكر وتعايش الاعتقاد ووحدة الهدف. ومنها يمكن ولوج عالم التنمية الاقتصادية والتلاحم الاجتماعي على أرضية ثقافية صلبة، تضمن مستوى القناعة الجماعية المشتركة، الكفيلة بإعطاء دفع قوي لجهود منح العمل الوطني مزيدًا من الأفكار المبدعة، فاللغة هي المحرك الحيوي والهام في تحريك الفكر وصياغة القدرات وتفعيل الإبداع.
وفي ذات السياق، يبرز حجم تأثير التحول الرقمي في الصناعة الثقافية، وقد صاحب هذا التحول التكنولوجي الكبير اعتقاد بأن الدول الكبرى هي المؤهلة لتعميم ثقافتها والترويج الواسع لأفكارها في العالم، وأن الدول الأقل نموًا ستكتفي طوعًا بتلقي العلوم وبقبول الاكتفاء بدور المستهلك لثمار الثقافات العالمية، وهو ما قد حدث بعد فرض ظاهرة العولمة في كل مجالات الحياة. لكنه ليس واقعًا مفروضًا بقدر ما هو نتيجة تجاهل أهمية دور الثقافة وإهمال روح الإبداع في تنمية المجتمعات الأقل نموًا.
تحرير القدرات العقلية
ومع ذلك، فإن استدراك الأمور يبقى ممكنًا، من خلال إفساح المجال واسعًا أمام القدرات الإبداعية لتحقيق الانطلاقة الفعلية، بتحرير القدرات العقلية المتمكنة من التكنولوجيات الحديثة في عالم التواصل المعرفي، لتحقيق الطلاقة في إنتاج الأفكار الإبداعية، كالتصوير الرقمي والرموز والمعاني، التي تسهم في إعطاء المرونة في تكيّف الحالة الذهنية بتغير الموقف بعد إدراك أدق التفاصيل، وهو ما يسمى “سيكولوجية الإبداع” التي تمنح المتعامل رؤية ثاقبة.
ومن هنا نشأ مفهوم ثقافة الإبداع لتجسيد التنوع القائم في العلاقات بين الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم أمام حتمية ابتكار سبل حديثة في مسار وجودهم، لتجديد الفكر، وعصرنة طرق العمل ووسائل التأثير. فأنتجوا الثقافة، وحددوا التاريخ، وفهموا المنطق الذي يفسر حركة التاريخ والجغرافيا، فصنعوا البشر الواعين بواقعهم، وصنع البشر التاريخ والإبداع عبر عصور ممتدة، تميزت بالأصالة والملاءمة واليقين، وهي عناصر الحقيقة التي اغتصب البشر معانيها لحياتهم من وجودهم.
فالإبداع ملكة كامنة في النفس البشرية، تبرز كجمرة فكرية متوهجة كلما واجه الإنسان ما يستفز مشاعره ويشغل باله، فيستدعي إعمال العقل في جلاء حقيقة الظواهر المحيطة به من أجل الرقي والتطور. فلم يتنازل الإنسان منذ بدء الخليقة عن حماية نفسه وضمان عيشه، والاجتهاد في جعل حياته أكثر نعومة وراحة ودفئًا. فابتكر ما أمكنه، لا ليكون سيدًا على الكون، بل ليكون سيدًا في الكون، فامتد تفكيره نحو الفضاء وجوف الأرض وأعماق البحار، بوعيه المدرك لأسرار الكون وحقائق الحياة وطبيعة الكائنات.


















