يتسم العالم المعاصر بدرجة متزايدة من عدم اليقين والتقلب وصعوبة التنبؤ، مدفوعًا بعوامل متعددة مثل تصاعد التوترات الجيوسياسية. وتقلبات الأسواق، والتسارع اللافت في التطور التكنولوجي.
ووفقًا لاستطلاع حديث أجراه المنتدى الاقتصادي العالمي حول إدراك المخاطر، تسود نظرة أكثر تشاؤمًا للتوقعات العالمية بحلول عام 2027، إذ يتوقع 31% من المشاركين تصاعد الاضطرابات والتقلبات.
وعلى صعيد الشباب، لا سيما أولئك الذين ينتقلون من مرحلة المراهقة إلى بدايات مرحلة البلوغ، يتقاطع هذا الاضطراب الخارجي مع مرحلة نمو تتسم أصلًا بتحولات بيولوجية واجتماعية ونفسية عميقة.
تشمل هذه المرحلة محطات مفصلية قد تزيد من احتمالية التعرض للإكتئاب والقلق والشعور بالوحدة، وتشير الأدلة إلى أن هذه المخاطر تتفاقم في ظل التحديات العالمية الأوسع، مثل تغير المناخ وعدم الإستقرار الإقتصادي.
ورغم عدم القدرة على حماية الطلاب من تلك المخاطر النفسية، فإنه يمكن تمكينهم من أدوات نفسية فعّالة تساعدهم على التكيّف معها، بما يعزز صحتهم النفسية والجسدية والعاطفية، وينمّي قدرتهم على الصمود على المدى البعيد. وفي هذا السياق، يصبح للآباء والمعلمون والمربّون دور محوري
يتمثل فى العوامل التالية:
خيارات نمط الحياة الصحي
تعد الصحة البدنية ركيزة أساسية للصحة النفسية؛ إذ تظهر أبحاث علم النفس الصحي أن النوم الكافي، والترطيب الجيد، والتغذية المتوازنة، وممارسة النشاط البدني بانتظام تسهم في تنظيم هرمونات التوتر، وتحسين المزاج، وتعزيز الوظائف الإدراكية.
ويكتسب دور الأسرة والمربين أهمية خاصة في ترسيخ هذه السلوكيات من خلال تقديم القدوة الحسنة. إلى جانب توفير فرص ميسرة وممتعة للشباب لممارسة النشاط البدني.
خلق بيئة آمنة
في أوقات عدم اليقين، يميل الشباب إلى اللجوء لشبكاتهم الاجتماعية القريبة طلبًا للدعم. وتبرز الدراسات النفسية أهمية الشعور بالأمان العاطفي في تعزيز المرونة النفسية؛ إذ يحتاج الشباب إلى بيئات تتيح لهم التعبير عن مخاوفهم ومشاعرهم بحرية، دون خشية من الحكم أو التجاهل.
ويمكن للبالغين تيسير ذلك عبر ممارسة الإنصات الفعّال، وإظهار التعاطف، والتفاعل بفضول بدلًا من إصدار الأحكام. كما تسهم مشاركة
التجارب الشخصية في مواجهة التحديات في إضفاء طابع من الألفة على هذه الحوارات، وتعزيز الثقة داخل العلاقات.
تنمية الشغف
يعد تشجيع الشباب على بناء هوية متعددة الأبعاد عنصرًا أساسيًا في استقرار تقدير الذات. وتشير أبحاث الهوية إلى أن تنوّع الأدوار والاهتمامات يمنح الأفراد قدرًا أكبر من الحماية في مواجهة الإخفاقات ضمن أي مجال واحد.
فالانخراط في أنشطة تتجاوز الإطار الأكاديمي، كالمجال الرياضي أو الفنون الأدائية أو المبادرات الإبداعية. لا يثري التجربة اليومية فحسب، بل يوسّع أيضًا إدراك الفرد لذاته، بحيث لا يختزل نفسه في كونه طالبًا فقط. ويسهم هذا التنوّع في تعزيز المرونة النفسية من خلال الحد من الاعتماد المفرط
على مصدر واحد للتقدير.
الاستهلاك الواعي للوسائط الإعلامية
تشير شواهد بحثية متنامية إلى ارتباط الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي بارتفاع مستويات التوتر والقلق والاكتئاب، وتراجع جودة النوم، فضلًا عن انخفاض تقدير الذات والرضا عن الحياة.
كما أن المقارنات الاجتماعية التي تتزايد عبر المنصات الرقمية قد تنعكس سلبًا على صورة الجسد والمزاج والتحصيل الدراسي. وعليه، فإن تبنّي استخدامٍ واعٍ للوسائط وذلك من خلال وضع حدود زمنية. وتقليل التعرض للأخبار المقلقة يسهم في دعم التنظيم العاطفي والحفاظ على التركيز في الأهداف ذات المعنى.
موارد الرعاية الذاتية
غالبًا ما تتسم مرحلة الانتقال إلى سن الرشد بتزايد حدة المشاعر وزيادة الحساسية للتقييم الاجتماعي. لذلك، يعد تزويد الشباب باستراتيجيات رعاية ذاتية سهلة المنال أمرًا ضروريًا.
وقد أثبتت الأساليب القائمة على الأدلة، مثل كتابة اليوميات، وممارسات اليقظة الذهنية. والنشاط البدني، والتعبير الإبداعي، فعاليتها في الحد من الضغط النفسي وتحسين التنظيم العاطفي. وتتيح هذه الأنشطة للأفراد تخفيف التوتر، ومواجهة التحديات.
المساعدة المتخصصة
وأخيرًا، تبرز أهمية مواصلة الحدّ من الوصمة المرتبطة بطلب الدعم النفسي المتخصص. فالعلاج النفسي، والإرشاد ودعم الأقران تعدّ جميعها أساليب راسخة وفعّالة للتعامل مع التحديات النفسية المختلفة.
كما أن تعزيز الوعي بهذه الخدمات لا سيما الموجّهة للمراهقين والشباب يسهم في تمكين الأفراد من الوصول إلى الدعم الملائم في الوقت المناسب عند الحاجة.
وتمثل هذه الأساليب طرقًا رئيسية يمكن للبالغين من خلالها دعم نموّ الشباب ليصبحوا أكثر مرونة وصحةً نفسية. ومن خلال تهيئة بيئات آمنة، وتعزيز العادات الصحية، وتشجيع التنوع في الهويات. ودعم التفاعل المتوازن مع العالم الرقمي يستطيع المعلمون والآباء والموجهون مساعدة الطلاب على التعامل مع حالة عدم اليقين بثقة ومرونة.
بقلم: د. مينو ماثيوز، رئيسة قسم علم النفس في جامعة هيريوت وات دبى
















