مع إشراقة يوم عرفة من كل عام، يتجلى مشهد مهيب ومألوف لأهل مكة المكرمة؛ حيث يبدو صحن الحرم المكي الشريف شبه خالٍ من الحجاج الذين يمموا وجوههم شطر صعيد عرفات لأداء ركن الحج الأعظم، بينما يتوزع رجال مكة في المشاعر المقدسة لخدمة ضيوف الرحمن. وفي هذا التوقيت الذي تخلو فيه المدينة من رجالها، تنهض النساء والأطفال بمسؤولية تاريخية واجتماعية فريدة، تعرف في الموروث المكي القديم بعادة “الخليف والقيس”.
“الخليف والقيس”.. حراسة الحي وتوبيخ المتخلفين
ارتبطت تسمية هذا اليوم بـ “الخليف” دلالة على تخلف الناس عن البقاء في منازلهم وتوجههم إلى المشاعر المقدسة. وفي غياب الرجال، كانت نساء مكة يتولين أعباءً ومهمات إضافية لحماية الأحياء ومراقبة الأوضاع.
ولم يكن يسمح لأي رجل قادر على العمل أو الحج بالبقاء في الحي؛ فإذا رصدت النساء رجلًا معافى تخلف عن مساندة الحجاج أو أداء النسك، يوبخنه بأسلوب فلكلوري متهكم يعرف بـ “القيس”. وحينها، كانت السيدات يرددن أهازيج شعبية شهيرة تلومه على قعوده، مثل:
“يا قيس يا قيس.. قوم أذبح التيس، كل الناس حجوا وأنت ما حجيت”.
وكان هذا التوبيخ الاجتماعي بمثابة أداة للحفاظ على استنفار الجهود لخدمة الحجيج، إذ لم يكن يتخلف في مكة في ذلك اليوم إلا المرضى أو كبار السن العاجزون.

“مؤنسات الحرم”.. عمارة الكعبة في غياب الزوار
ينطلق تفرد هذا الطقس من عقيدة مكية قديمة تؤمن بأنه لا يمكن أن يترك الحرم الشريف والطواف حول الكعبة المعظمة دقيقة واحدة بدون مصلين أو طائفين. ومن هنا، نالت نساء مكة لقب “مؤنسات الحرم”؛ إذ يتدفقن برفقة الأطفال إلى المسجد الحرام لإيناس الكعبة بصلاتهن ودعائهن في غياب زوارها من الحجاج.
بينما تنشغل النساء بالذكر، يستغل الأطفال خلو الصحن ليتسابقوا في الطواف، والسلام على الحجر الأسود، وتقبيل جدران الكعبة العارية التي يرفع ثوبها في ذلك اليوم تمهيداً لتبديل كسوتها الجديدة؛ في مشهد استثنائي يرقبه أهالي مكة كل عام من فجر يوم عرفة وحتى قبيل صلاة العصر.

عيد النساء.. ليلة بيضاء بعباءات سوداء
يتحول عصر يوم عرفة إلى ما يشبه العيد الخاص بالمرأة المكية؛ حيث يكتسي صحن المطاف باللون الأسود —لون العباءات المحتشمة— في فرصة ذهبية تتاح للنساء للطواف والصلاة وتقبيل الحجر الأسود بهدوء وطمأنينة بعيداً عن زحام الأيام الأخرى.
ومع اقتراب غياب شمس يوم عرفة، تتحلق النساء حول الكعبة المشرفة في انتظار أذان المغرب، حيث يجتمعن صائمات ليتناولن طعام الإفطار مما صنعت أيديهن في المنازل من الحلويات المكية التقليدية مثل “المعمول” و”الغريبة”. ويستمر هذا التجمع النسائي العبق بالروحانية والود حتى قبيل منتصف ليلة العيد (العاشر من ذي الحجة)، ليرسمن بذلك واحدة من أجمل صور الوفاء لبيت الله الحرام، وليؤكدن أن عمارة الحرم الشريف وصون هويته هي رسالة يتوارثها مجتمع مكة رجلاً وامرأة، جيلاً بعد جيل.

















