من اللوم إلى الفهم.. كيف يكسر التعاطف دائرة تراكم الاستياء؟

عندما يواجه الزوجان مشكلة في علاقتهما، غالبًا ما تتجه الأنظار إلى المال أو الخلافات الجنسية أو اختلاف الطباع، لكن هناك مشكلة أخرى قد تكون أكثر تأثيرًا على العلاقة، وهي صراع التعاطف؛ أي تحوّل النقاش من محاولة فهم مشاعر الطرف الآخر إلى صراع حول من يستحق التعاطف ومن كان أكثر تعرضًا للأذى.

يظهر هذا الصراع عادة عندما يعبّر أحد الشريكين عن شعوره بالألم بسبب موقف أو كلمة صدرت عن الطرف الآخر. وبدل أن يتوقف الطرف المقابل عند مشاعر شريكه ويحاول فهمها، قد يرد بتذكير الطرف الآخر بموقف سابق آلمه هو أيضًا.

وهكذا ينتقل الحوار من المشكلة الحالية إلى سلسلة طويلة من الأحداث القديمة، وتتوالى الردود التي تذكّر بمواقف أقدم، لتستمر دائرة اللوم والعتاب دون الوصول إلى حل.

عندما يصبح التعاطف اعترافًا بالذنب

من الأسباب التي تجعل هذه الدائرة تستمر أن بعض الأزواج ينظرون إلى التعاطف باعتباره اعترافًا بالخطأ. فقد يشعر أحدهما بأن الاعتراف بألم شريكه يعني أنه يتحمل المسؤولية كاملة عن المشكلة، وأن الطرف الآخر سيستخدم هذا الاعتراف ضده.

woman who secretly resents partner as she has boiling anger

لذلك قد يشعر الشخص في داخله بأن اعترافه بأن كلماته جرحت شريكه قد يعني تجاهل الألم الذي تعرّض له هو أيضًا.

مع تراكم الخلافات، يصبح من الصعب على كل طرف الاستماع إلى تجربة الآخر بصورة هادئة، لأن هناك الكثير من الألم القديم الذي لم تتم معالجته. وكل موقف جديد يعيد فتح جروح سابقة، فيتحول الحوار إلى محاكمة للماضي بدل أن يكون محاولة لفهم الحاضر.

الاستياء يترك مساحة أقل للتعاطف

عندما تتراكم مشاعر الغضب والخذلان دون معالجة، يمكن أن يتحول الاستياء إلى حاجز بين الزوجين. فالشخص الذي يشعر بأن ألمه لم يسمع أو يفهم قد يصبح أقل استعدادًا للاستماع إلى ألم شريكه.

وبمرور الوقت، يفقد الحوار قدرته على أن يكون مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر. ويصبح كل طرف منشغلًا بالدفاع عن نفسه وإثبات أنه كان صاحب الحق في الخلاف السابق.

لكن وجود تاريخ مليء بالخلافات لا يعني بالضرورة أن العلاقة لا يمكن إصلاحها. فإعادة بناء التعاطف ممكنة عندما يعترف الطرفان بوجود المشكلة ويبدآن في التعامل معها بطريقة مختلفة.

AdobeStock_1928511061

ثلاث خطوات لكسر دائرة الاستياء

1. الاتفاق على نية مشتركة

يمكن أن يبدأ الزوجان بتحديد هدف واضح يرغبان في الوصول إليه، مثل استعادة الثقة، أو تعزيز القرب العاطفي، أو تقليل الاستياء المتراكم. ولا يشترط أن يكون الهدف كبيرًا؛ المهم أن يتفق الطرفان على رغبتهما في تغيير طريقة تعاملهما مع الخلافات.

وحتى إذا لم يكن أحد الشريكين مستعدًا في البداية لاتخاذ هذه الخطوة، يمكن للطرف الآخر أن يبدأ بتغيير طريقته في التواصل. مع إدراك أن نجاح العلاقة يتطلب في النهاية مشاركة الطرفين.

2. وضع نقطة بداية جديدة

قد يساعد الاتفاق على اعتبار يوم معين نقطة انطلاق جديدة للعلاقة. ولا يعني ذلك تجاهل الماضي أو إنكار الأخطاء التي حدثت. بل الاتفاق على عدم استخدام الجروح القديمة كسلاح في كل خلاف جديد.

تمنح هذه الخطوة الزوجين فرصة للنظر إلى العلاقة من زاوية مختلفة، بحيث يصبح التركيز على كيفية التعامل مع المشكلات الحالية وبناء تواصل أكثر احترامًا، بدل إعادة فتح كل الخلافات السابقة.

Story pin image

3. اعتماد أسلوب التناوب في الحديث

من الطرق المقترحة للتعامل مع الخلافات أن يتحدث أحد الشريكين أولًا عن تجربته ومشاعره. بينما يلتزم الآخر بالاستماع دون مقاطعة أو دفاع عن نفسه أو إعادة توجيه الحديث إلى أخطائه السابقة.

بعد الانتهاء، يمكن تأجيل تجربة الطرف الثاني إلى وقت لاحق، مثل اليوم التالي. وهكذا يحصل كل شخص على مساحة آمنة للتعبير، ويعرف مسبقًا أنه سيحصل على فرصة للحديث والاستماع إليه.

يساعد هذا الأسلوب على تخفيف الحاجة إلى “الفوز” بالنقاش، لأن كل طرف يعرف أن دوره في التعبير سيأتي. فلا يحتاج إلى مقاطعة شريكه لإثبات وجهة نظره في اللحظة نفسها.

كما يمكن للشريك أن يعيد صياغة ما فهمه من كلام الطرف الآخر، للتأكد من أنه استوعب مشاعره فعلًا. بدل الانتقال مباشرة إلى تبرير سلوكه أو الدفاع عن نفسه.

التعاطف لا يعني الاتفاق

من المهم التمييز بين فهم مشاعر الشريك والموافقة على تفسيره للأحداث. يمكن للزوج أن يفهم أن زوجته شعرت بالأذى من موقف معين دون أن يتفق معها بالضرورة في كل تفاصيل تفسيرها، والعكس صحيح.

An attentive female soldier listens as her husband discusses something serious.

فالاستماع لا يعني التخلي عن وجهة النظر الشخصية، وإنما منح الطرف الآخر فرصة للتعبير عنها دون أن يشعر بأنه مضطر للدفاع عن حقه في الشعور بالألم.

وفي العلاقات التي تراكمت فيها الخلافات، قد تكون القدرة على الاستماع دون دفاع خطوة أساسية لاستعادة الشعور بالأمان والقرب.

لا يختفي الاستياء المتراكم بمجرد تجاهله، بل يحتاج إلى مواجهة هادئة ومساحة يستطيع فيها كل طرف التعبير عن تجربته وسماع تجربة الآخر. وعندما يتوقف الزوجان عن التنافس حول من الذي تألم أكثر، يصبح من الممكن تحويل الحوار من معركة لإثبات الحق إلى فرصة لفهم بعضهما البعض من جديد.

الرابط المختصر :