في ظاهر الأمر وبدايته، قد يبدو تناول الطين أو الطباشير أو الورق سلوكًا فطريًا أو عادة مرتبطة بمرحلة عمرية محددة. لكن استمراره وتكرراه المتواصل خارج السياق المحتمل، يكون المرء أمام اضطراب معروف في الأوساط الطبية باسم “متلازمة بيكا”.
هذا الاضطراب، الذي يندرج ضمن لائحة اضطرابات الأكل، لا يرتبط بالإفراط في الطعام أو الامتناع عنه، بل يتجسد في الرغبة الملحة والمستمرة في تناول مواد غير غذائية لا تحمل قيمة تُذكر، بل تُشكل خطرًا جسيمًا على الحالة الصحية.
تكمن خطورة متلازمة بيكا في كونها غالبًا عرضًا لخلل أعمق، سواء غذائيًا كان نفسيًا أو اجتماعيًا. فعدد غير قليل من الحالات ارتبط بوجود فقر الدم وعوز الحديد والزنك.
لوحظ أن بعض المرضى الذين يعانون من اشتهاء الثلج أو التراب أو النشاء يتحسنون بشكل ملحوظ بعد تعويض نقص الحديد. وهذا الارتباط يفتح نافذةً مهمة لفهم السلوك اللاإرادي بوصفه رسالة بيولوجية يحاول من خلالها الجسد لفت الانتباه إلى عوز واحتياج داخلي.

أبعاد متلازمة بيكا
غير أن التفسير الطبي وحده غير كاف، إذ إن متلازمة بيكا قد تظهر كذلك لدى الأطفال الذين يعانون من إهمال عاطفي. أو لدى الأفراد الذين يمرون بضغط نفسي شديد، وكذا الذين يعانون من اضطرابات نمائية.
في هذه الحالات، يصبح تناول المواد العشوائية سلوكًا تنظيميًا ناتجًا عن خلل في دوائر المكافأة العصبية في الدماغ. فيمنح إحساسًا مؤقتًا بالراحة أو السيطرة على النفس. وكأن الفرد يبحث عن توازن مفقود عبر فعل متكرر. ومن هنا، تتقاطع بيكا مع مجالات الطب النفسي وعلم السلوك. مؤكدةً أن الصحة الجسدية والصحة النفسية يقومان على بعضهما ضمن شبكة لا يمكن فصل عناصرها بسهولة.
أما في سياق الحمل، فتكتسب الظاهرة بعدًا آخر، وكثيرًا ما يُفسر اشتهاء مواد غير معتادة على أنه وحم الحمل. غير أن الإصرار الشديد على تناول الطين أو الثلج أو النشاء قد يكون مؤشرًا يترجم نقصًا في المعادن. يستدعي الفحص المخبري الدوري بدل الاكتفاء بالتفسيرات الشعبية في الأوساط المجتمعية. كتناول الطين Geophagia ضمن ممارسات تقليدية لدى الحوامل.
والثابت أن التفريق بين الرغبة العابرة والاضطراب المستمر مسألة دقيقة، لكنها تحسم الحقائق تجنبًا للمضاعفات المحتملة كانسداد الأمعاء أو التسمم بالمعادن الثقيلة أو الاضطرابات الهضمية.

التداعيات الطبية وكيفية التعامل معها
المضاعفات الطبية لبيكا موثقة سريريًا فابتلاع مواد صلبة أو حادة يؤدي بالضرورة إلى تمزقات في جدار الجهاز الهضمي. بينما قد ينتج عن تناول الطلاء أو التراب الملوث حالات تسمم خطيرة (كالرصاص) والإصابة بمختلف الالتهابات الطفيلية.
وفي بعض الحالات النادرة تتشكل كتل داخل المعدة تستدعي تدخلًا جراحيًا لاستئصالها كالكتل الشعرية Bezoars الناتجة عن تناول الشعر Trichophagia. وهنا تتجلى أهمية الاكتشاف المبكر والتدخل العلاجي الذي لا يقتصر على منع السلوك، بل ينقب في الأصل ويعالج مسبباته.
العلاج الفعّال لمتلازمة بيكا يتطلب مقاربةٍ شمولية فتصحيح نقص العناصر الغذائية يمثل خطوة أساسية عند وجوده. لكن الدعم النفسي والعلاج السلوكي المعرفي قد يكونان ضروريين لتعديل الأنماط السلوكية المترسخة من الطفولة. كما يلعب المحيط الأسري دورًا جوهريًا خاصةً لدى الأطفال إذ إن التعامل مع السلوك بالتهكم أو العقاب قد يزيد من حدته بدل الحد منه.
إن متلازمة بيكا توجه الانتباه بأن السلوك الإنساني، مهما بدا غريبًا فقد يكون نداءً لتعويض صحي أو استجابة نفسية لضغط مكبوت. أو انعكاسًا لبيئة تحتاج إلى احتواء أكبر. ومن منظور الصحة العامة، فإن التعامل معها لا ينبغي أن يكون عبر الوصم أو التجاهل. بل الفهم العلمي المتوازن والتدخل المنصف والفعال.
الرابط المختصر :















