أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، والمنصات الرقمية، هي المتحكمة الرئيسيظ فيما نقرأ ونشاهد ونسمع، حتى صارت قضية “الذوق العام” محط نقاش واسع. ومع تصاعد المحتوى الترفيهي السطحي أو غير الجاد، يطرح المجتمع تساؤلًا مهمًا: هل يؤدي هذا النوع من المحتوى إلى تدهور الذوق العام؟
ما هو الذوق العام؟
الذوق العام هو الإطار الثقافي والقيمي الذي يحدد ما يعتبر مقبولًا أو راقيًا أو محترمًا في مجتمع معين. ويشمل ذلك كل ما يتعلق بالسلوكيات، والفنون، والإعلام، والأزياء، والمحتوى العام المتداول. ويمكن وصفه بأنه انعكاس مباشر لمستوى الوعي، والتعليم، والقيم السائدة.
آفة الترفيه السطحي
في العقد الأخير، ظهر ما يعرف بـ”صانعي المحتوى”، الذين يعتمد كثير منهم على الإثارة، والمبالغة، والفكاهة المبتذلة، لجذب الانتباه. فيما يمكن أن يطلع عليه الترفيه السطحي التافه.
ولا يتطلب هذا النوع من المحتوى إنتاجًا عالي الجودة أو فكرة عميقة، بل يركّز على تحقيق الانتشار السريع “الترند”. من أمثلة ذلك: المقالب السطحية، تحديات فارغة من المعنى، أو سرديات مضخمة حول حياتهم الشخصية.

كيف يؤثر المحتوى غير الجاد على الذوق العام؟
تطبيع السطحية
عندما يشاهد الناس هذا النوع من المحتوى بشكل متكرر، يبدأون في تقبله كأمر عادي، بل ومفضل، ما يؤدي إلى تهميش المحتوى الثقافي والفكري الجاد.
تراجع المعايير الجمالية
في الفن، مثلًا، يتم أحيانًا الترويج لأعمال بلا مضمون على حساب الأعمال التي تتطلب مهارات وجهدًا وإبداعًا حقيقيًا.
تشتيت الوعي الجماعي
يصبح الحديث العام متمحورًا حول قصص “تافهة”، ما يصرف الانتباه عن القضايا الحقيقية مثل التعليم، والصحة، والسياسة، والاقتصاد.
تأثير سلبي على الأجيال الجديدة
الأطفال والمراهقون، الذين يقضون ساعات أمام الشاشات، يصبحون أكثر عرضة للتأثر بهذا النوع من المحتوى، مما يضعف ذائقتهم الثقافية ويقلل من طموحاتهم الفكرية.
هل كل محتوى غير جاد سلبي؟
من الإنصاف الإشارة إلى أن الترفيه ليس عدوًا للثقافة. أحيانًا، يكون المحتوى الخفيف وسيلة للهروب من الضغوط اليومية، وقد يحمل رسائل مبطنة أو طرقًا مبتكرة للتعبير. المشكلة تكمن حين يصبح هو المهيمن الوحيد، ويقصي المحتوى الجاد من المشهد.
دور الأفراد والمؤسسات
على الأفراد أن يكونوا أكثر وعيًا فيما يستهلكونه من محتوى، وأن يدربوا أنفسهم وأبناءهم على انتقاء ما يطوّر الفكر والذوق. وعلى المؤسسات الإعلامية والتعليمية أن توازن بين الترفيه والتثقيف، وتدعم صنّاع المحتوى الجاد حتى لا تضيع الأصوات الراقية وسط الضجيج.
اقرأ أيضًا: خاص لـ”الجوهرة” | استشاري نفسي يوضح تأثير الفيديوهات التافهة عبر السوشيال ميديا

تأثير الفيديوهات التافهة عبر السوشيال ميديا
بحسب ما أوضحه الدكتور وليد هندي؛ استشاري الصحة النفسية، في تصريحات خاصة لـ”الجوهرة”. فإن تأثير كثرة مشاهدة الفيديوهات التافهة عبر منصات السوشيال ميديا يتمثل في:
- تضييع الوقت والجهد: بينما تعد مشاهدة الفيديوهات التافهة استنزافًا كبيرًا للوقت والجهد؛ حيث يقضي المستخدم ساعات طويلة في تصفح محتوى لا يضيف له أي قيمة حقيقية. بل يبعده عن الأنشطة المفيدة الأخرى كالقراءة والتعلم وتطوير الذات.
- تدني مستوى التفكير النقدي: كما تعتمد هذه الفيديوهات على الإثارة السطحية والمواقف الغريبة لجذب الانتباه. ما يقلل من قدرة المشاهد على التفكير النقدي وتحليل الأمور بعمق، ويعوده على استقبال المعلومة على نحو سلبي دون تمحيص.
- انتشار ثقافة الاستهلاك السطحي: بينما تسهم هذه الفيديوهات في ترسيخ ثقافة الاستهلاك السطحي لكل شيء، من المنتجات إلى الأفكار. حيث يصبح الهدف الترفيه والتسلية اللحظية دون الاهتمام بالجودة أو القيمة الحقيقية.
- تأثير سلبي على اللغة والهوية: غالبًا ما تستخدم هذه الفيديوهات لغة عامية ركيكة وأسلوبًا سطحيًا في الطرح. ما يؤثر سلبًا في لغة المشاهد وقدرته على التعبير بطريقة سليمة، وقد يسهم في تشويه الهوية الثقافية.
- انتشار السلوكيات السلبية: قد تروج بعض هذه الفيديوهات لسلوكيات سلبية كالعنف والتنمر والاستهزاء بالآخرين. ما يؤثر في سلوك المشاهد، خاصةً المراهقين الذين قد يقلدون هذه السلوكيات دون وعي.
- تراجع الاهتمام بالقضايا الجادة: مع ازدياد الإقبال على المحتوى التافه، يتراجع الاهتمام بالقضايا الجادة والمهمة التي تسهم في بناء المجتمع وتطويره.
- اقرأ أيضًا: استطلاع رأي يكشف مفاجأة.. صحة “الجيل Z” في قبضة مؤثري “التواصل الاجتماعي”
وأخيرًا المحتوى غير الجاد ليس الخطر بحد ذاته، بل في تحوّله إلى القاعدة بدل الاستثناء. فإذا تركنا الذوق العام رهينة لما هو شائع دون وعي أو توجيه، فإننا نجازف بفقدان هويتنا الثقافية وتراجع الوعي العام. ما نستهلكه يوميًا، يرسم ملامح أجيال كاملة، فلنحسن الاختيار.



















