من قلب الفلكلور الياباني والبوذية الزينية، تنص حكاية رمزية على أن مسافرًا تطارده الأشباح في رحلة طويلة ومتعرجة إلى مكان ما. في البداية، هرب خوفًا، لكن كلما ركض، ازدادت الأشباح. ثم قاتل، ملوحًا بعصاه بعنف، ليشعر بوجودها يزداد قوة. أخيرًا، منهكًا، توقف. استدار ليواجهها، وفي ذلك السكون رآها بوضوح لأول مرة. بعضها اختفى على الفور، وبعضها تقلص في الخلفية، وبعضها تلاشى كوهم محض.
العبرة مما سبق أن ما نقاومه يستمر، أشباحنا، مخاوفنا، ندمنا، ظلالنا، لا يمكن إسكاتها بالقوة. لا يضعف تأثيرها إلا بالاعتراف بها وقبولها. ومن هذا المنطلق فقط نستطيع أن نتخيل طريقًا جديدًا للمضي قدمًا.
نرى هذه القوة المساء استخدامها في كل مكان، في كيفية صراعنا مع شياطيننا الداخلية، وكيفية تعاملنا مع تحديات العمل، وكيفية معالجة قضايا العالم المتفاقمة عبر مختلف الأطياف السياسية. إن المقاومة نفسها قد تكون فخًا فهي لا تمنع تقبّل الذات فحسب، بل تمنع المستقبل أيضًا.
عندما يصبح القتال وقودًا
كلما فكرنا في المقاومة، ينتابنا شعورٌ مقلق، اضطرابٌ مألوفٌ في معدتنا، نربطه عادةً بإدراكنا لحدود قدراتنا. كم من طاقة أهدرناها في اللوم والتوبيخ؟ كم من أحاديث العشاء تركناها تنزلق إلى جدالات دفاعية، مقتنعين بأن من يجلسون أمامنا لا يكترثون؟

يجعلنا ذلك ندور في حلقة مفرغة من الإحباط بدلًا من توجيه تلك الطاقة نحو ابتكار مسار جديد. كما كتب كال نيوبورت : “هناك متعة شخصية في الإشارة بمرارة إلى عيوب النظام، لكن التغيير المستدام… يتطلب تزويد الناس ببديل ممتع ومفعم بالحياة”.
يتردد هذا النمط عبر التاريخ، حركات مقاومة تتألق ثم تتلاشى، وتخبو عندما تعجز عن صياغة رؤية جديدة. ما يدفعنا للتساءل ما إذا كانت المقاومة، عندما تصبح الإستراتيجية بأكملها، تتحول إلى نوع من الأداء. تستوجب ممارسة الغضب مرارًا وتكرارًا حتى يستنزف الطاقة اللازمة للتغيير البنّاء. وكلما ارتفع صوت هذا الغضب، قلّت المساحة المتاحة للخيال والتعاون والإبداع.
وإن كانت المقاومة في حقيقتها ضرورية، لمساعدتنا على إدراك الخلل، إلا أن أهميتها تختلف اختلافًا كبيرًا تبعًا لما هو على المحك. فبالنسبة للعديد من المجتمعات التي تواجه تهديدات وجودية، لا تعدّ خيارًا للنقاش، بل مسألة بقاء. لكن المقاومة وحدها غير كافية. فالمقاومة تعيق، ولا تبني إذا استهلكت كل الجهود في القتال، فماذا يتبقى للتخيّل والبناء للمستقبل؟
إغراء الخير مقابل الشر
بنفس الطريقة التي أنشئت بها سرديات جامدة عن الذات الجيدة – الذات السيئة – الذات المنتجة مقابل الذات الكسولة. الذات الكريمة مقابل الذات الأنانية، نشأت كذلك أيضًا سرديات عن الأشخاص الطيبين/الأشخاص السيئين على المستوى المجتمعي.

هذه المفهوم مغري ومتجذر فيما يسميه تشارلز أيزنشتاين “أسطورة الانفصال” – الاعتقاد بأننا أفراد منفصلون جوهريًا في عالم منفصل عنا. تغذي هذه الأسطورة غريزتنا نحو التمييز.
من الأسهل بكثير الانحياز إلى جانب، ورسم خطوط فاصلة واضحة، وتسمية الأعداء فإغراء التبسيط قوي للغاية. كما نرفض المعارضة المتصورة ليس فقط باعتبارها “الآخر” بل باعتبارها “حماقة” أو “تعصب”. نستبعد الناس، ونسكتهم، ولكن تأتي هذه الاستراتيجية بنتائج عكسية في النهاية.
نهدر طاقتنا في مهاجمة الناس بسبب انتماءاتهم الجماعية. ندين جماعات وطنية أو عرقية أو دينية أو سياسية بأكملها، بينما ندّعي الدفاع عن هويات أخرى. نتعامل مع اختلافاتنا كأنها نقيضان مطلقان، حتى عندما توجد أرضية مشتركة. بل إننا نشجَّع على ذلك، مما يغذي استقطابًا زائفًا يقوم على الاعتقاد بأننا أكثر انقسامًا مما نحن عليه في الواقع.
والنتيجة؟ تهميش الأصوات المعتدلة والداعمة لبناء الجسور، تلك الأصوات تحديدًا التي تستطيع تخيّل مناظر سياسية واجتماعية جديدة. حيث تتغلب الإنسانية المشتركة على الانقسام. تحتاج الحركات إلى هذه الجسور بين الحرس القديم وصنّاع التغيير، تمامًا كما تحتاجها المنظمات بين الأنظمة التقليدية والابتكار.

والثابت أن من نقاومهم، هم في قرارة أنفسهم مدفوعون بالخوف، الخوف مما قد يفقدونه. عندما يهدد التغيير مصدر رزق أحدهم أو هويته أو أمنه، تكون المعارضة رد فعل طبيعي. لكن مواجهة هذا الخوف بالانقسام والرفض لا يؤدي إلا إلى ترسيخ فكرة أن على أحدهم أن يخسر ليفوز الآخر.
لإزالة هذه المعارضة، سواء في المجتمع أو في أنفسنا، قد نبدأ بالاهتمام بالخوف الكامن وراء المقاومة. بالاستماع إليه، وفهمه، وإظهار التعاطف معه، وإيجاد سبل لتلبية احتياجاته. عندما يشعر الناس بأن مخاوفهم تؤخذ بعين الاعتبار بصدق، عندما يرون أننا نسعى إلى حلول تناسب الجميع بدلًا من سياسة “الفائز يأخذ كل شيء”، يمكن أن تتحول إلى تعاون.
قوة المفارقة
على نفس المنهاج الذي تعلمنا من خلاله أننا لا نستطيع إجبار أنفسنا على التخلص من عادة مدمرة، لا يمكننا إجبار الآخرين على تبني نفس الآراء. وحين تتلاشى صراعاتنا الداخلية نبدأ في تقبّل أنفسنا تمامًا، وندرك أن الحياة ليست أبيض وأسود، بل هي مزيج ضبابي من الرمادي.
إن تقبّل التناقضات الشخصية قد يكون من أهم الممارسات التي قد نمر بها. فمحاربة السالب بالسالب أو الانقسام بالانقسام لا تجدي نفعًا، لأن التغيير دائمًا ما يكون قائمًا على الاتصال، لا الانفصال.
إن التعامل مع الناس، بكل تناقضاتنا المعقدة، أصعب بكثير من محاربة الأنظمة. من الأسهل أن نثور على الأنظمة بدلًا من أن نتقبل حقيقة أنها تتكون من أناس لديهم مخاوف ونقاط عمياء.

ومن الأسهل أن نتجاهل الجماعات الروحية أو الدينية، بدلًا من أن نتقبل الفروقات المتمثلة في أنها قد تحبطنا وفي الوقت نفسه تحمل حكمة قيّمة. أن ننبذ من نختلف معهم، بدلًا من أن ندرك أنهم قد يكونون عناصر أساسية للحلول التي نسعى إليها.
إن تعلم تقبّل المفارقة يوسع قدرتنا على التواصل. هذا النوع من التواصل لا يقوم على الاتفاق، بل على إفساح المجال للتعقيد. هذا لا يجعل العمل أسهل، بل قد يجعله أصعب لكنه يجعله أكثر استدامة. والثابت أن الاندماج هو عكس النفي والطرد وقد يؤدي ذلك إلى مستقبل أكثر إبداعًا وإنصافًا مما نستطيع فهمه حاليًا.
ماذا لو كرّسنا طاقتنا بشكل مختلف؟
إذا ما وقعنا في فخ تصوراتنا الذهنية عن “الآخر”، فقد لا نتمكن أبدًا من استشراف مستقبل مستدام جديد يتمحور حول الشمولية والعدالة. فالانقسام يقتل الخيال، ويجعلنا أكثر انصياعًا وردود أفعال. إننا نحاول إحياء عالم جديد بالطاقة المتبقية من كراهية العالم القديم.
بالعودة إلى نثر ديفيد وايت الرائع في كتابه “آفاق” : “عندما أرفض مواجهة أمر حقيقي وضروري في حياتي، أتوقف عن النظر إلى الحد الفاصل بين ما أعرفه وما لا أعرفه. الأفق الرئيسي في حياتي هو الخط الذي يقع عليه مستقبلي، من الناحية التخيلية”.

وكما هو الحال مع أفق وايت، فإن مستقبلنا الجماعي يكمن وراء حدود معرفتنا – في المساحات التي لم نتخيلها معًا بعد. ولكن ماذا لو كان جزء من الوصول إلى هناك هو الإدراك الكامل بأننا جميعًا مجرد بشر نخوض غمار فوضى عارمة، وأن المستقبل ليس لعبة محصلتها صفر؟
وربما لا تكون هذه رؤية عظيمة إلى هذا الحد. ربما يكون الحل في خلق مستقبل واعد للأشخاص الذين أصبحت وظائفهم متقادمة، وجعل هذا التحول مرغوبًا فيه بدلًا من كونه تهديدًا. ليس المقصود هنا إلغاء من نختلف معهم، بل بناء ثقافة تتقبل الاختلاف في الرأي. يجب تهيئة بيئات يستطيع فيها المختلفون المشاركة في ابتكار الحلول، بدلًا من مجرد التباهي.
هل هذه الرؤية جامحة حقًا؟ أم أننا اعتدنا على أداء دور المعارضة لدرجة أننا نسينا كيف نتخيل أي شيء آخر؟ ماذا لو استطعنا أن ندرك أننا جميعًا مجرد مسافرين على نفس الطريق المتعرج، تطاردنا نسخ مختلفة من نفس المخاوف.















