قد تكون العلاقة بين الأم وأبنائها مصدرًا للأمان والدعم، لكن في بعض الحالات تتحول إلى مساحة مستمرة من الضغط النفسي والشعور بالذنب والخوف من ارتكاب أي خطأ. وقد تجد الابنة نفسها مضطرة إلى التفكير في كل كلمة تقولها، أو الاعتذار رغم تعرضها للأذى، أو محاولة إرضاء والدتها طوال الوقت حتى تحافظ على هدوء العلاقة.
وتظهر بعض هذه الأنماط في العلاقات التي تتسم بالسلوك النرجسي، حيث تسعى الأم باستمرار إلى الحصول على الاهتمام والإعجاب، وتجد صعوبة في التعاطف مع أبنائها أو الاعتراف باحتياجاتهم، وقد تتعامل معهم باعتبارهم امتدادًا لها وليسوا أفرادًا مستقلين لهم اختياراتهم وحدودهم.
لكن من المهم التأكيد أن امتلاك بعض الصفات النرجسية لا يعني بالضرورة الإصابة باضطراب الشخصية النرجسية؛ فالتشخيص يحتاج إلى تقييم من متخصص في الصحة النفسية. ومع ذلك، فإن السلوكيات المؤذية والمتكررة قد تترك آثارًا عاطفية عميقة لدى الأبناء، حتى من دون وجود تشخيص رسمي.
علامات تكشف السلوك النرجسي لدى الأم
1. نجاحك يتحول إلى منافسة
في العلاقة الصحية، تشعر الأم بالفخر تجاه إنجازات أبنائها، وتمنحهم المساحة للاحتفال بنجاحاتهم. أما الأم التي تتسم بسلوك نرجسي فقد تنظر إلى نجاح الابن أو الابنة باعتباره تهديدًا أو منافسة.
فقد تشاركينها خبرًا سعيدًا، مثل الحصول على ترقية أو تحقيق إنجاز شخصي، فتنتقل سريعًا للحديث عن إنجازاتها، أو تقلل من أهمية ما حققته، أو تجعل الحوار يدور حول مشكلاتها الخاصة.

2. الحب يصبح مشروطًا بالطاعة
من العلامات اللافتة أيضًا أن يشعر الابن بأن الحب والاهتمام مرتبطان بمدى التزامه بما تريده الأم.
فإذا وافقها الرأي ونفذ رغباتها، تكون العلاقة هادئة، بينما يؤدي الاختلاف معها أو اتخاذ قرار مستقل إلى الغضب أو التجاهل أو إشعاره بالذنب. وبمرور الوقت، قد يترسخ لدى الابن اعتقاد بأن الحفاظ على حب والدته يتطلب التضحية باحتياجاته ورغباته.
3. التلاعب النفسي والتشكيك في المشاعر
يعد التلاعب النفسي من أكثر الأساليب التي تترك أثرًا طويل المدى. فعندما تواجه الابنة والدتها بموقف أزعجها أو جرحها، قد لا تحصل على اعتذار، وإنما تسمع عبارات مثل: «هذا لم يحدث»، أو «أنت حساسة جدًا»، أو «إذن أنا أسوأ أم في العالم».
ويؤدي تكرار هذه الاستجابات إلى دفع الابنة للتشكيك في ذاكرتها ومشاعرها، وربما الاعتقاد بأنها تبالغ في ردود أفعالها. وفي بعض الحالات، قد تتحول المواجهة من مناقشة السلوك المؤذي إلى لوم الابنة نفسها، لتجد أنها في النهاية هي التي تقدم الاعتذار رغم أنها بدأت الحديث بهدف التعبير عن ألمها.
4. عدم احترام الحدود
الأم ذات السلوك النرجسي قد تواجه صعوبة في تقبل الحدود الشخصية. وقد يظهر ذلك في التدخل المستمر في الحياة الخاصة، أو محاولة معرفة تفاصيل العلاقات والقرارات المالية والمهنية، أو توقع الرد الفوري على المكالمات والرسائل، أو مشاركة معلومات شخصية عن الابنة مع الآخرين دون موافقتها.
وقد ترى الأم استقلال ابنتها باعتباره رفضًا لها، ولذلك تتعامل مع محاولات وضع الحدود وكأنها هجوم شخصي.

لماذا تكون العلاقة بين الأم وابنتها شديدة التعقيد؟
وبحسب “leapaheadapp” تزداد حساسية العلاقة أحيانًا بسبب الصورة الاجتماعية التي تربط الأم وابنتها بعلاقة صداقة وثيقة، ما يجعل الاعتراف بوجود مشكلة أكثر صعوبة. وفي بعض العلاقات النرجسية، قد تسقط الأم مخاوفها أو عدم رضاها عن نفسها على ابنتها، فتنتقد وزنها أو مظهرها أو اختياراتها المهنية والعاطفية، أو تتدخل في طريقة تربيتها لأطفالها.
كيف تتعاملين مع الأم النرجسية؟
التعامل مع الأم التي تتسم بسلوكيات نرجسية لا يبدأ بمحاولة تغييرها، وإنما بالتركيز على ما يمكن للابنة التحكم فيه. فليس بإمكان الابن إجبار والدته على الاعتذار أو التعاطف أو تغيير شخصيتها.
تقبل العلاقة كما هي
قد تكون الخطوة الأصعب هي التخلي عن انتظار الأم المثالية التي كان الابن يتمنى وجودها. ولا يعني التقبل تبرير الإساءة أو قبولها، وإنما رؤية العلاقة بواقعية، والتوقف عن بناء الأمل على تغيير قد لا يحدث. كما يساعد ذلك على التخلص تدريجيًا من فكرة أن الابنة مطالبة طوال الوقت بإثبات أنها جيدة بما يكفي حتى تحصل على الحب والقبول.
استخدام أسلوب «الصخرة الرمادية»
عندما يكون التواصل ضروريًا، يمكن في بعض الحالات تقليل التفاعل العاطفي والامتناع عن الدخول في جدالات طويلة. ويعرف هذا الأسلوب باسم «الصخرة الرمادية»، ويقوم على جعل الحديث محايدًا ومحدودًا قدر الإمكان.
وقد يتضمن ذلك الحديث عن موضوعات عامة، وتجنب مشاركة نقاط الضعف أو التفاصيل الشخصية التي قد تتحول لاحقًا إلى وسيلة للضغط أو الانتقاد.
التحكم في المعلومات الشخصية
ليس من الضروري مشاركة كل تفاصيل الحياة الخاصة مع الأم، خاصة إذا كانت المعلومات تتحول باستمرار إلى مصدر للانتقاد أو التدخل. فيمكن تقليل الحديث عن الأمور المالية إذا كانت تستخدم للضغط، أو عدم طلب النصائح في الموضوعات التي تتحول عادة إلى صراع، مثل تربية الأطفال أو القرارات المهنية.

وضع حدود واضحة
لا تقتصر الحدود على طلب التوقف عن سلوك معين، وإنما تتضمن تحديد ما ستفعله الابنة إذا استمر هذا السلوك. فمثلًا، بدلًا من قول: «توقفي عن انتقاد مظهري»، يمكن أن يكون الحد: «إذا استمر الحديث عن شكلي بهذه الطريقة، سأنهي المكالمة». والأهم هو الالتزام بما تم تحديده عند تجاوز الحد.
هل يمكن أن تتغير الأم النرجسية؟
يمكن لبعض الأشخاص تغيير سلوكياتهم عندما يدركون المشكلة ويملكون رغبة حقيقية في العمل عليها، لكن لا ينبغي للأبناء تعليق حياتهم على انتظار هذا التغيير.
وفي بعض الحالات، قد يكون التواصل المحدود حلًا مناسبًا، خصوصًا عندما يكون قطع العلاقة بالكامل غير ممكن أو غير مرغوب. ويمكن أن يشمل ذلك تقليل المكالمات والزيارات، وتحديد الموضوعات التي يمكن مناقشتها، وتجنب المواقف التي تسبب أذى نفسيًا متكررًا.
أما قرار قطع التواصل، فهو قرار شخصي يعتمد على طبيعة العلاقة ومستوى الضرر الذي تسببه. وإذا كانت العلاقة تؤثر بشدة في الصحة النفسية أو الحياة اليومية، فقد تساعد الاستعانة بمعالج نفسي متخصص على فهم التجربة ووضع حدود مناسبة.
وفي النهاية، فإن الاعتراف بأن بعض أساليب التربية كانت مؤذية لا يعني أن الابنة جاحدة أو عاقة، كما أن وضع الحدود لا يعني التخلي عن الأسرة. فالتعافي يبدأ عندما يدرك الشخص أن حماية سلامه النفسي واحترام احتياجاته وحدوده حق أساس، وليس تصرفًا أنانيًا.

















