لطالما أثار الوقت الذي يقضيه المراهقون أمام الشاشات، سواء أكان عبر وسائل التواصل الاجتماعي أم ألعاب الفيديو أم مشاهدة التلفزيون. قلق الآباء بسبب احتمال ارتباطه بالصحة النفسية.
وبينما أشارت دراسات سابقة إلى وجود علاقة بين الاستخدام المكثف للشاشات وبعض المشكلات النفسية. تكشف دراسة جديدة أن الصورة قد تكون أكثر تعقيدًا، وأن العوامل الوراثية قد تؤدي دورًا مهمًا في تفسير هذه العلاقة.
دراسة واسعة على أكثر من 23 ألف مراهق
نشرت دراسة في الثاني من أكتوبر 2025 في مجلة Psychiatry Research، وحللت بيانات أكثر من 23 ألف مراهق نرويجي تتراوح أعمارهم بين 14 و16 عامًا. بهدف دراسة العلاقة بين الوقت الذي يقضونه أمام الشاشات وبعض الاضطرابات والمشكلات النفسية.
وشملت الدراسة ثلاثة أنماط رئيسة من استخدام الشاشات: وسائل التواصل الاجتماعي، وألعاب الفيديو، ومشاهدة التلفزيون. كما بحث الباحثون في مجموعة من الاضطرابات، من بينها الاكتئاب والقلق واضطراب ثنائي القطب والفصام واضطرابات الأكل واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة واضطرابات طيف التوحد وتعاطي المخدرات.
ومن بين المشاركين، تم تشخيص 3829 مراهقًا باضطراب نفسي، بينما لم يحصل بقية المشاركين على تشخيص مماثل.

ثلاث ساعات يوميًا أو أكثر ترتبط بارتفاع المشكلات النفسية
أظهرت النتائج وجود ارتباط بين أنماط استخدام الشاشات الثلاثة والمشكلات النفسية. وكان المراهقون الذين يقضون ثلاث إلى أربع ساعات أو أكثر يوميًا في مشاهدة التلفزيون أو ممارسة ألعاب الفيديو أكثر عرضة لوجود اضطراب نفسي مقارنة بمن يقضون وقتًا أقل أمام هذه الشاشات.
كما أظهرت تحليلات الأعراض التي أبلغ عنها المشاركون أنفسهم أن قضاء ثلاث إلى أربع ساعات أو أكثر أمام الشاشات خلال اليوم ارتبط بارتفاع شدة بعض الأعراض النفسية.
أما بالنسبة إلى وسائل التواصل الاجتماعي، فكانت النتائج أكثر تعقيدًا. إذ ظهر ارتفاع في احتمال وجود تشخيص نفسي لدى المراهقين الذين يقضون أطول وقت عليها. وكذلك لدى بعض المراهقين الذين يقضون أقل وقت مقارنة بمجموعات أخرى.
وتشير هذه النتيجة إلى أن العلاقة بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والصحة النفسية لا تسير بالضرورة في اتجاه واحد أو وفق نمط بسيط يمكن تفسيره بمجرد زيادة عدد ساعات الاستخدام.
ماذا أضاف التحليل الجيني؟
ما يميز الدراسة هو أن الباحثين لم يكتفوا بدراسة سلوك استخدام الشاشات. بل أخذوا في الاعتبار الاختلافات الجينية بين المشاركين. فقد استخدموا البيانات الوراثية لتقدير مستوى الاستعداد الجيني لبعض الاضطرابات النفسية.

وأظهرت النتائج ارتباطًا بين درجات المخاطر الجينية المرتبطة بالاكتئاب واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة واضطراب طيف التوحد وفقدان الشهية العصبي، وبين الوقت الذي يقضيه المراهقون أمام الشاشات.
ويشير ذلك إلى أن بعض العوامل التي تجعل الفرد أكثر عرضة للإصابة باضطراب نفسي قد ترتبط أيضًا بسلوكه في استخدام الشاشات. وبالتالي، فإن العلاقة التي تظهر بين وقت الشاشة والصحة النفسية قد تتأثر بعوامل أخرى، من بينها الاستعداد الوراثي.
هل الشاشات تسبب الاضطرابات النفسية؟
لا تسمح نتائج الدراسة وحدها بالقول إن استخدام الشاشات هو السبب المباشر في الإصابة بالاضطرابات النفسية. فالعلاقة يمكن أن تكون أكثر تعقيدًا، وقد تعمل في أكثر من اتجاه.
فمن ناحية، يمكن أن يرتبط الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي بالعزلة أو الشعور بالوحدة أو تراجع التفاعل الاجتماعي الواقعي، وهي عوامل قد تترافق بدورها مع بعض المشكلات النفسية.
ومن ناحية أخرى، قد يلجأ المراهق الذي يعاني أصلًا من أعراض نفسية أو صعوبات اجتماعية إلى قضاء وقت أطول أمام الشاشة، سواء بحثًا عن الترفيه أو التواصل أو المعلومات أو وسيلة للتعامل مع الملل والعزلة.

وهناك احتمال ثالث تبرزه الدراسة، يتمثل في أن الاستعداد الوراثي لبعض الاضطرابات قد يؤثر في كل من الصحة النفسية ونمط استخدام الشاشات، وهو ما يجعل العلاقة بين المتغيرين أكثر تعقيدًا من مجرد علاقة سبب ونتيجة مباشرة.
لماذا كانت النتائج المتعلقة بوسائل التواصل الاجتماعي لافتة؟
من النتائج التي تستحق مزيدًا من البحث أن المراهقين الذين قضوا وقتًا أقل على وسائل التواصل الاجتماعي ظهر لديهم أيضًا ارتباط أكبر ببعض المشكلات النفسية مقارنة بفئات أخرى.
وقد يكون أحد التفسيرات المحتملة أن بعض الاضطرابات أو الصعوبات الاجتماعية تجعل التواصل مع الآخرين أكثر صعوبة. بما في ذلك التواصل عبر المنصات الرقمية. وهذا الاحتمال يصبح أكثر أهمية عند النظر إلى الارتباط الذي ظهر بين الاستعداد الجيني لبعض الاضطرابات. مثل اضطراب طيف التوحد، وأنماط استخدام الشاشات.
لكن هذه النتائج لا تعني أن انخفاض استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يسبب اضطرابات نفسية. وإنما تؤكد الحاجة إلى دراسة العوامل التي تقف وراء اختلاف أنماط الاستخدام بين المراهقين.

نظرة أكثر تعقيدًا إلى وقت الشاشة
تقدم الدراسة صورة مختلفة عن فكرة أن عدد الساعات أمام الشاشة يمكن أن يكون وحده مؤشرًا كافيًا للحكم على تأثيرها في الصحة النفسية. فالنوع المستخدم من المحتوى، وطبيعة الاستخدام، والظروف الاجتماعية والنفسية للمراهق. إضافةً إلى العوامل الفردية والوراثية، قد تكون جميعها ذات أهمية.
لذلك، فإن التعامل مع استخدام الشاشات لدى المراهقين يحتاج إلى تجاوز التركيز على عدد الساعات فقط. والنظر أيضًا إلى أسباب الاستخدام وطبيعته وتأثيره في النوم والدراسة والعلاقات الاجتماعية والنشاط اليومي.
بينما يرتبط الاستخدام المكثف للشاشات بارتفاع بعض مؤشرات المشاكل النفسية. تشير البيانات الجينية إلى وجود عوامل أخرى قد تفسر جزءً من هذه العلاقة. ما يجعل فهمها بحاجة إلى مزيد من الدراسات التي تجمع بين السلوك والبيئة والعوامل البيولوجية.















