مع كل عام تحل فيه الأعياد، يزداد الجدل حول تأثير التكنولوجيا على طقوسنا الاجتماعية المتوارثة. فما كان بالأمس القريب فرصة للاجتماعات العائلية الممتدة وزيارات الأرحام وتبادل التهاني وجهًا لوجه. بات اليوم يتأثر بشكل ملحوظ بزحف الرقمنة ووسائل التواصل الاجتماعي. فهل تتلاشى عاداتنا الأصيلة أمام شاشات الهواتف، أم أن هناك مساحة للتوازن والاستفادة من إيجابيات التكنولوجيا دون فقدان روح العيد؟

طقوس تتغير وتتلاشى في الأعياد
في هذا السياق يتحدث لـ”الجوهرة” الدكتور ابراهيم دويدار؛ استشاري الصحة النفسية، فقال “لم تعد أجواء العيد اليوم كما كانت عليه. فالتواصل عن بُعد والتكنولوجيا الاجتماعية عززت من العزلة في كثير من الأحيان. حيث اختفت تدريجيًا مشاهد اجتماعات النساء الكبيرة لصنع الحلويات الشعبية مثل الكعك والبسكويت، فمع التطور الحضري وصغر مساحات البيوت. وتوفر هذه المنتجات جاهزة في الأسواق. بات الشراء بديلًا أسهل وأقل جهدًا.
وأوضح تأثير التكنولوجيا على عادة الزيارات، التي كانت تمثل جوهر العيد. فاليوم أصبحت تطبيقات مثل “فيسبوك” و”واتساب” بديلًا شائعًا للتهنئة. ما يغني الكثيرين عن عناء الزيارة. حتى التسوق لملابس العيد، الذي كان يحمل بهجة خاصة للأطفال عند اختيار ما تلمسه أيديهم، أصبح يعتمد بشكل كبير على الأسواق الإلكترونية، ليغيب بذلك متعة التجول ورؤية فرحة الأطفال بثيابهم الجديدة وهم يركضون لعرضها على الأقارب.
وأضاف د. إبراهيم دويدار، أن الأعياد باتت تشبه الأيام العادية في ظل هذه التغيرات. فزيارات الأرحام التي كانت تشمل الأشقاء وأبناء الأعمام والأحفاد، وتنتهي في بيت أكبر أفراد العائلة لتعميق الروابط، أصبحت نادرة. وقد حل محلها الاتصال الهاتفي أو حتى مكالمة الفيديو كول. مؤكدًا أن التكنولوجيا خلقت فجوات وفككت المجتمعات، بل وزادت من التباعد بين المتخاصمين بدلًا من التقارب.

إيجابيات التكنولوجيا وسبل الاستفادة منها
ومن جانب آخر، يرى د. دويدار “أنه على الرغم من هذه التأثيرات السلبية، لا يمكن إنكار أن للتكنولوجيا وجهًا إيجابيًا. وأن التكنولوجيا سهلت التواصل بين أفراد العائلة والأصدقاء، خاصة مَن يعيشون في أماكن بعيدة، فمكالمات الفيديو والرسائل الفورية ساهمت في تقريب المسافات ونشر مشاعر الفرح والبهجة. كما ساعدت في الحفاظ على بعض التقاليد، مثل تبادل العيدية، من خلال تطبيقات الدفع الإلكتروني. ما جعل العملية أكثر سهولة وسرعة، خاصة لمن يقيمون في بلاد مختلفة.
لكن استشاري الصحة النفسية يحذر من قلة التواصل المباشر والابتعاد عن الروحانيات والمعنى الحقيقي للعيد بسبب التركيز على الأنشطة الترفيهية عبر الإنترنت. كما أن مشاركة الصور ومقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي قد تثير مشاعر الغيرة أو عدم الرضى، وتؤدي إلى إضاعة الوقت في التصفح والألعاب الإلكترونية بدلًا من الاستمتاع بأجواء العيد الروحانية.
نحو عيد متوازن
لتحقيق التوازن، ينصح د. “دويدار” بتحديد وقت محدد لاستخدام التكنولوجيا، خاصة خلال الأعياد والمناسبات الاجتماعية، وعدم السماح لها بالسيطرة على جميع الأنشطة. يجب التركيز على التواصل المباشر مع أفراد العائلة والأصدقاء، وعدم الاعتماد على التكنولوجيا فقط. فلا يمكن الاستغناء عن التكنولوجيا، ولكن يجب تطويعها للاستفادة منها في نشر المعرفة حول العيد وتعاليمه وقيمه، مع الابتعاد عن المقارنات الاجتماعية والتركيز على الاستمتاع بأجواء العيد، خاصة للأطفال.
واختتم د. “دويدار” حديثه قائلًا: يظل العيد فرصة لتجديد الروابط الأسرية والاجتماعية. التكنولوجيا أداة قوية، وبيدنا أن نستخدمها لتعزيز هذه الروابط بدلًا من إضعافها، لنصنع أعيادًا تجمع بين أصالة الماضي ومرونة الحاضر.



















