يسعى الآباء والأمهات إلى توفير حياة سعيدة لأطفالهم وتلبية احتياجاتهم، إلا أن الإفراط في الاستجابة لرغباتهم قد يقود إلى نتائج عكسية على المدى الطويل. فبين الرغبة في إسعاد الأبناء وتنشئتهم على تحمل المسؤولية وتقدير النعم. وتبرز أهمية إيجاد التوازن الذي يساعدهم على النمو ليصبحوا أشخاصًا ممتنين وقادرين على مواجهة تحديات الحياة.
وتشير دراسات واستطلاعات رأي إلى أن تدليل الأطفال أصبح مصدر قلق متزايد لدى كثير من الأسر. ففي استطلاع أجرته مجلة “Parents”، أقر 42 % من المشاركين بأن أبناءهم مدللون بدرجة ما، بينما رأى 80% منهم أن الإفراط في التدليل قد ينعكس سلبًا على شخصية الطفل ومستقبله.
متى يصبح الطفل مدللًا؟
ويرى خبراء التربية أن السبب الأكثر شيوعًا وراء تدليل الأطفال هو اتباع أسلوب التربية المتساهلة، الذي يتسم بغياب الحدود الواضحة والتردد في فرض القواعد والانضباط. فمع حرص الوالدين على إسعاد أبنائهما وتجنب الصراعات اليومية، قد يتحول تلبية الطلبات المستمرة إلى عادة تمنح الطفل شعورًا بأن العالم يدور حول رغباته.
كما أن شعور بعض الآباء بالذنب بسبب الانشغال بالعمل أو قلة الوقت الذي يقضونه مع أطفالهم يدفعهم أحيانًا إلى التعويض بالهدايا أو الاستجابة السريعة للطلبات، وهو ما قد يعزز سلوكيات غير مرغوبة دون قصد.

مؤشرات تدل على الإفراط في التدليل
ورغم أن مصطلح “الطفل المدلل” لا يحظى بإجماع بين المختصين، فإن هناك مجموعة من السلوكيات التي قد تشير إلى وجود مشكلة، من أبرزها:
- ضعف القدرة على ضبط النفس.
- الأنانية والتمركز حول الذات.
- الاندفاع في التصرفات.
- السلوك المتسلط.
- صعوبة تقبل الرفض أو الانتظار.
- العدوانية أو التمرد عند عدم تحقيق الرغبات.
آثار قد تمتد إلى مرحلة البلوغ
وبحسب “parents” يحذر الخبراء من أن استمرار هذه السلوكيات دون تصحيح قد يؤثر على قدرة الطفل على التكيف مع الحياة لاحقًا. فالأطفال الذين اعتادوا الحصول على كل ما يريدون قد يواجهون صعوبات في التحفيز الذاتي والمثابرة. إضافة إلى تحديات في بناء علاقات صحية مع الآخرين أو التعامل مع الإحباطات الطبيعية التي تفرضها الحياة.
كيف يمكن تعديل السلوك؟
تقبل خيبة الأمل دون شعور بالذنب
ويؤكد المختصون أن رفض بعض الطلبات لا يجعل الوالدين قاسيين، بل يساعد الطفل على تعلم أحد أهم دروس الحياة، وهو أن الحصول على كل شيء ليس ممكنًا دائمًا. ويمكن التعبير عن التعاطف مع مشاعر الطفل دون التراجع عن القرار، من خلال توضيح الأسباب بهدوء واحترام.
عدم الاستسلام لنوبات الغضب
تعد نوبات الغضب من أكثر الأساليب التي يلجأ إليها الأطفال لتحقيق مطالبهم، لكن الاستجابة لها تمنحهم رسالة واضحة بأن هذا السلوك ناجح. لذلك ينصح الخبراء بالحفاظ على الهدوء وعدم مكافأة هذا التصرف بالاستجابة للطلبات، مع ضمان سلامة الطفل أثناء انفعاله.
تعليم قيمة الانتظار
وفي عصر السرعة والتكنولوجيا، اعتاد الأطفال الحصول على ما يريدونه بضغطة زر. ما يجعل الصبر مهارة تحتاج إلى تدريب مستمر. ويمكن للوالدين تعزيز هذه المهارة عبر تأجيل بعض الرغبات أو تشجيع الطفل على الادخار والعمل لتحقيق ما يريد، الأمر الذي يساعده على تقدير قيمة الأشياء بشكل أكبر.

التشجيع أهم من المكافآت
ويرى خبراء التربية أن الثناء على الجهد المبذول أكثر فاعلية من تقديم الهدايا المتكررة مقابل كل إنجاز. فالتشجيع الصادق والمحدد يعزز ثقة الطفل بنفسه ويحفزه على الاستمرار، بينما قد يؤدي الاعتماد المستمر على المكافآت المادية إلى تراجع الدافع الداخلي لديه.
التوازن هو الحل
لا يعني تجنب التدليل حرمان الأطفال من المتعة أو الهدايا أو الاحتفال بإنجازاتهم، بل يتعلق بتعليمهم أن بعض الأمور تحتاج إلى صبر وجهد واستحقاق. وعندما يتعلم الطفل تقدير ما يحصل عليه واحترام الحدود الموضوعة له، يصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثقة وامتنان ومسؤولية.


















