بين «لو حدث» و«لو لم يحدث».. كيف نتخلص من أسر الماضي وقلق المستقبل؟

يتخذ الإنسان قراراته استنادًا إلى تجاربه السابقة، لكنه يتميز بقدرته الكبيرة على التفكير في الماضي وتوقع المستقبل. وهذه القدرة قد تكون مفيدة عندما تساعدنا على التعلم والتخطيط. لكنها قد تتحول إلى مصدر للضغط النفسي عندما تجعلنا عالقين في الندم أو القلق المستمر.

ويوضح عالم النفس “روبرت سابولسكي”، في كتابه “لماذا لا تصاب الحمير الوحشية بالقرحة؟”، أن الحيوانات تستجيب للخطر من خلال استجابة الكر والفر ثم تعود إلى حالة من الهدوء بعد زوال التهديد. أما الإنسان، فيستطيع الاستمرار في التفكير في الخطر حتى بعد انتهائه، فيعيد تحليل ما حدث، ويتخيل ما كان يمكن أن يحدث، ويضع سيناريوهات لما قد يحدث مستقبلاً.

ويمكن فهم هذه الأنماط من خلال ثلاث طرق رئيسية للتعامل مع الأحداث: الندم الافتراضي، والتأقلم الوقائي، والتأقلم الاستباقي.

عندما يحاصرنا الماضي بـ«لو أنني فعلت»

الندم الافتراضي هو التفكير في النتائج البديلة التي كان من الممكن أن تحدث لو اتخذنا قرارًا مختلفًا. وقد تظهر هذه الأفكار في صورة عبارات مثل: «لو أنني لم أفعل ذلك»، أو «لو أنني اخترت خيارًا آخر».

قد يساعد هذا النوع من التفكير أحيانًا على التعلم من الأخطاء، لكنه يصبح مرهقًا عندما يتحول إلى اجترار مستمر للماضي. فبدلًا من استخدام التجربة لفهم ما حدث والاستفادة منه، يظل الإنسان منشغلًا بما كان يتمنى حدوثه. ما قد يزيد مشاعر الحزن والندم ويصعّب تقبّل الواقع.

المشكلة الأساسية أن الإنسان غالبًا يحكم على قراراته السابقة اعتمادًا على ما يعرفه اليوم. بينما كان عليه اتخاذ تلك القرارات بالمعلومات والظروف التي كانت متاحة في ذلك الوقت.

عندما يتحول المستقبل إلى مصدر دائم للقلق

الطريقة الثانية تتمثل في التأقلم الوقائي، أي محاولة توقع المخاطر المحتملة والاستعداد لها قبل حدوثها. وهذا السلوك ليس سلبيًا في حد ذاته؛ فالادخار لمواجهة المصاريف المفاجئة، والتخطيط للطوارئ، واكتساب مهارات جديدة، كلها أمثلة على الاستعداد الصحي للمستقبل.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الإنسان في حالة يقظة دائمة، يحاول فيها توقع كل احتمال سيئ ومنعه قبل حدوثه. فالحياة بطبيعتها مليئة بعوامل لا يمكن التحكم فيها، ومحاولة السيطرة على جميع السيناريوهات المحتملة قد تستنزف الطاقة النفسية وتمنع الإنسان من الاستمتاع بالحاضر.

وتختلف المواجهة الاستباقية عن القلق المستمر في الطريقة التي تنظر بها إلى المستقبل. فبدلًا من التركيز على التهديدات المحتملة، يسعى الشخص إلى بناء الموارد التي ستساعده على التعامل مع الصعوبات إذا ظهرت.

This may contain: a man sitting on top of a table surrounded by papers and coffee mugs, reading a book

قد تشمل هذه الموارد المال، والمعرفة، والمهارات الشخصية، والعلاقات الاجتماعية الداعمة، والقدرة على تنظيم المشاعر والتعامل مع المشكلات. ولا يعني ذلك افتراض أن المستقبل سيكون سهلًا، وإنما الإيمان بأن الإنسان يستطيع البحث عن حلول عندما يواجه موقفًا صعبًا.

وفي هذا النمط من التفكير، يتحول الخوف من ما قد يحدث، إلى البحث عن طرق التعامل معه. وهذا الفرق مهم؛ لأن الهدف لم يعد السيطرة الكاملة على المستقبل، وإنما الاستعداد للتعامل معه مهما كانت نتائجه.

لماذا نختلف في طريقة تعاملنا مع الضغوط؟

لا يتعامل الجميع مع الأزمات بالطريقة نفسها، فتتأثر إستراتيجيات التأقلم بالتجارب السابقة، وطريقة التربية، والسمات الشخصية. والقيم والاحتياجات الفردية، إضافة إلى الظروف الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بالشخص.

وقد تساعد بعض التجارب الصعبة الإنسان على تطوير مهارات مهمة في حل المشكلات والتكيف مع الظروف الجديدة. وفي المقابل، يمكن أن تؤدي الضغوط الشديدة أو نقص الموارد إلى جعل مواجهة الأزمات أكثر صعوبة.

لذلك، لا ينبغي النظر إلى طريقة تعامل الشخص مع الضغط باعتبارها مجرد اختيار بسيط، فهناك عوامل نفسية واجتماعية وبيئية متعددة تؤثر فيها.

كيف نعيد النظر في طريقة تفكيرنا؟

إذا لاحظ الإنسان أنه يقضي وقتًا طويلًا في التفكير في قرارات الماضي أو في توقع أسوأ السيناريوهات، فقد يكون من المفيد مراقبة هذه الأفكار بدلًا من الاستسلام لها.

ويمكن البدء بتدوين الأفكار التي تتكرر، والانتباه إلى طبيعتها، هل هي «لو أنني فعلت…» أم «ماذا لو حدث…»؟ ثم محاولة تحويلها إلى أسئلة أكثر واقعية وفائدة.

فبدلًا من التفكير: «لو أنني اتخذت قرارًا مختلفًا، لكانت حياتي أفضل»، يمكن طرح سؤال: «ما الذي تعلمته من هذا القرار، وما الذي يمكنني فعله الآن؟». وبدلًا من: «ماذا لو حدث شيء سيئ؟»، يمكن التفكير: «إذا حدثت مشكلة، ما الموارد التي أملكها لمواجهتها؟ وما الذي يمكنني الاستعداد له الآن؟» هذه الطريقة لا تلغي عدم اليقين، لكنها تساعد على الانتقال من الاجترار إلى الفعل.

المستقبل لا يحتاج إلى أن يكون مضمونًا

لا يستطيع الإنسان معرفة كل ما سيحدث. كما لا يستطيع العودة إلى الماضي لتغيير قراراته. لكن يمكنه اختيار الطريقة التي يتعامل بها مع الاثنين.

This may contain: a man standing in the middle of a road with an arrow shaped tree on it

فالتفكير في الماضي يصبح أكثر فائدة عندما يتحول إلى تعلم، والتخطيط للمستقبل يصبح أكثر صحة عندما يتحول إلى استعداد بدلًا من القلق. وبين الإثنين توجد مساحة مهمة غالبًا ما ننساها، وهي “الحاضر”. الحياة لا ولم ولن تسير دائمًا وفق ما نخطط له، لكن امتلاك الموارد والمهارات والدعم اللازم يساعدنا على التعامل مع ما قد يأتي.

الرابط المختصر :