في عالمٍ تتسارع فيه وتيرة الأزمات البيئية، لم يعد التغير المناخي مجرد أرقام تتداول في المؤتمرات الدولية أو عناوين تتصدر الصحف. بل تحول إلى واقعٍ ملموس يطرق أبواب صحتنا العامة بقوة. فبين حرائق الغابات المستعرة والفيضانات العارمة. يبرز السؤال الملح: كيف يعيد المناخ تشكيل خارطة الأمراض والوفيات على كوكب الأرض؟
في حوار خاص لمجلة الجوهرة ، كشف الدكتور إسلام عنان، أستاذ الوبائيات والرئيس التنفيذي لشركة “أكسيت” للأبحاث. عن حقائق صادمة تتعلق بتأثير الاحتباس الحراري على البشرية. مؤكدًا أننا نعيش في “مرحلة حرجة” لم يشهدها الكوكب منذ أكثر من 100 ألف عام.
بصمة الإنسان: 300 ألف عام مقابل فناء محتمل
يشير الدكتور عنان إلى مفارقة زمنية مذهلة؛ فبينما يقدر عمر الأرض بـ 4.5 مليار عام. لم يتجاوز وجود الإنسان عليها سوى 0.007% من هذا التاريخ. ومع ذلك، نجحت الأنشطة البشرية في غضون قرون قليلة من حرق الوقود الأحفوري وقطع الغابات في وضع الكوكب على حافة الهاوية. مما أدى لارتفاع منسوب البحار واختلال الأنظمة البيئية بالكامل.

لغة الأرقام.. حرارة الأرض وصحتنا
إن ارتفاع درجة حرارة الكوكب بمقدار 0.8 درجة مئوية فقط بين عامي 1990 و2020 قد يبدو بسيطاً، لكنه كان كفيلاً بإحداث كوارث صحية كبرى:
-
انعدام الأمن الغذائي: تسببت موجات الجفاف في عام 2021 بوضع 127 مليون شخص تحت وطأة نقص الغذاء الحاد. مما يهدد بانتشار أمراض سوء التغذية. الأنيميا، والتقزم.
-
الوفيات المرتبطة بالحرارة: سجلت أكثر من 226 ألف حالة وفاة إضافية عالمياً بسبب الإجهاد الحراري وضربات الشمس بين عامي 2000 و2019.
-
تلوث الهواء: تقدر منظمة الصحة العالمية أن تلوث الهواء الناجم عن التغيرات المناخية تسبب في 7 ملايين وفاة مبكرة نتيجة أمراض الجهاز التنفسي والربو.
هجرة الأوبئة: حين تصبح المناطق الباردة “ملاذاً” للمرض
لم يقتصر الأمر على الحرارة، بل أدى الاحتباس الحراري إلى تغير سلوك “نواقل الأمراض”. يحذر الدكتور عنان من أن البعوض الناقل لـ حمى الضنك و الملاريا بدأ بالهجرة إلى مناطق كانت تعتبر سابقًا باردة وغير صالحة لمعيشته.
-
زادت معدلات حمى الضنك بنسبة 28% عما كانت عليه في الخمسينيات.
-
اتسعت رقعة الأراضي المناسبة لنقل طفيلي الملاريا بنسبة 17%، مما يجعل نصف سكان الأرض حالياً عرضة للإصابة بالعدوى.

الاقتصاد والعدالة المناخية: من يدفع الثمن؟
لم يسلم الاقتصاد العالمي من هذه التبعات، حيث بلغت الخسائر الناجمة عن الظواهر الجوية القاسية نحو 264 مليار دولار في عام 2022 وحده. لكن المأساة الحقيقية تكمن في “عدم التوازن”؛ فبينما تتسبب الدول الصناعية الكبرى في الجزء الأكبر من الانبعاثات، تتحمل الفئات الضعيفة كالأطفال وكبار السن في الدول النامية العبء الأكبر من الأمراض والفقر الناتج عن هذا التغير.


















