قصة وعبرة : الرأفة، الرفق والأناة عماد الأواصر العائلية والعلاقات الإنسانية

يحكى أن زوجين اتفقا في الصباح التالي لعرسهما أن لا يفتحا الباب لأي زائر كان. وبالفعل جاء أهل الزوج يطرقون الباب ونظر كل من الزوجين لبعضهما نظرة تصميم لتنفيذ الاتفاق ولم يفتحا الباب.

لم يمض إلا القليل من الوقت حتى جاء أهل الزوجة يطرقون الباب فنظر الزوج إلى زوجته فإذا بها تذرف الدموع. وتقول : “والله لا يهون علي وقوف أبواي أمام الباب ولا أفتح لهما..” سكت الزوج وأسرها في نفسه وفتحت لأبويها الباب.

مضت السنين وقد رزقوا بأربع أولاد وكانت خامستهم طفلة فرح بها الأب فرحًا شديدًا وذبح الذبائح. فسأله الناس متعجبين فرحه الذي غلب فرحته بأولاده الذكور، فأجاب ببساطة : “هذه التي ستفتح لي الباب..”.

حين جاء أهل الزوج أولاً، التزم الطرفان بالاتفاق رغم صعوبة الموقف لكنه عكس نوعًا من الإصرار على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه. غير أن الأحداث أخذت مجرى آخر عندما قدِم أهل الزوجة. ليصبح الموقف اختبارًا للمشاعر والعلاقات العائلية فدموع الزوجة لم تكن احتجاجًا على الاتفاق. بقدر ما كانت تعبيرًا عن رابطة إنسانية يصعب تجاهلها، رابطة الابنة بوالديها.

أدرك الزوج حينها أن بعض القواعد لا يمكن أن تكون صارمة عندما تتعلق بالمشاعر. ففتح الباب كان اعترافًا بأن العاطفة أحيانًا أقوى من القرارات العقلية المجردة.

العاطفة والرأفة في القرارات الأسرية

والتحول الرمزي يأتي حين تمر السنوات بعد ذلك، وتكبر الأسرة ويرزق الزوجان بالأبناء. حتى تأتي الطفلة الخامسة وترتسم معالم الفرحة والسعادة على محيى الأب. وذلك لأنها في منظوره تمثل امتدادًا لتلك اللحظة الماضية التي أدرك فيها قيمة الرحمة والوفاء العائلي.

فالابنة في كثير من المجتمعات ترتبط في المخيال الاجتماعي بالحنان والاهتمام بوالديها في كبرهما خاصةً. ولهذا رأى في قدومها وعدًا بالدفء الذي قد يحتاجه الإنسان في مراحل حياته اللاحقة.

وفي هذا تذكيرٌ لنا أن العلاقات الإنسانية على اختلافها، تنوعها ومتانتها، لا يمكن أن تدرأ دائمًا بالقواعد. فهناك لحظات تتقدم فيها العاطفة والرحمة على الاتفاقات. ذلك أن الحياة لم تكُ يومًا سلسلةً من القوانين بقدر ما هي شبكة مترابطة في ما بينها من مودة مشاعر وعواطف.

فقد يجد الإنسان نفسه وسط مواقفٍ يضطر فيها إلى الاختيار بين التمسك الحرفي بقرارٍ ما وبين مراعاة مشاعر الآخرين. وهنا يستحسن المحافظة على المبادئ دون فقدان الإنسانية.

كما أن تقدير دور البنات في الأسرة -ليس بغرض المفاضلة بين الأبناء-، يأتي من باب الاعتراف بما يحملنه غالبًا من حسٍ عاطفي وحرص على الأواصر العائلية. وكما قد تنظم القواعد حياتنا، فالرأفة والأناة والمودة هي التي تمنحها جوهرها الحقيقي وفي حضور القلب، تغدو القرارات أكثر إنصافًا وعدلًا.

الرابط المختصر :