عبدالحليم رضوي.. رائد الفن التشكيلي السعودي وناحت هوية بصرية للمملكة

عبد الحليم رضوي.. رائد الفن التشكيلي السعودي وناحت هوية بصرية للمملكة
عبد الحليم رضوي.. رائد الفن التشكيلي السعودي وناحت هوية بصرية للمملكة

فقدت الساحة الفنية السعودية والعربية قامة فنية بارزة بوفاة الفنان التشكيلي عبدالحليم رضوي في السادس من مارس عام 2006. عن عمر يناهز 67 عامًا إثر نوبة قلبية. رحل رضوي تاركًا خلفه إرثًا فنيًا غنيًا يرسخ مكانته كأحد رواد الفن التشكيلي في المملكة العربية السعودية. ومن أوائل من حملوا لواء الفن في منطقة الخليج العربي.

مسيرة فنان عصامي

ولد عبدالحليم رضوي في حي أجياد بـ مكة المكرمة عام 1939. ونشأ يتيمًا في أسرة متواضعة، ليتحمل مسؤولية إعالة عائلته منذ سن التاسعة. ولم تكن الظروف المادية الصعبة عائقًا أمام طموحه، فقد عمل بائعًا للحلويات، ومرشدًا للحجاج، وفي البناء والخياطة، ليثبت إصراره على شق طريقه في الحياة.

برزت موهبته الفنية مبكرًا، فخلال دراسته الثانوية، فازت لوحته “القربة” بالمركز الأول في معرض فني على مستوى المملكة، وحصل على جائزة نقدية قدرها 500 ريال. كانت هذه اللحظة بمثابة نقطة تحول دفعت به نحو عالم الفن. وتوجه رضوي إلى إيطاليا لدراسة الفنون على نفقته الخاصة في البداية، قبل أن يلتحق ببرنامج الابتعاث الوطني بعد عام واحد.

في عام 1964، حصل على بكالوريوس في فن الديكور من كلية الفنون الجميلة بروما، ولم يتوقف طموحه عند هذا الحد، فعاد إلى الكلية ذاتها للحصول على درجة أكاديمية أعلى، ثم نال درجة الدكتوراه في الفنون من جامعة سان فيرناندو بمدريد عام 1979، وكانت رسالته بعنوان “دور الفن العربي وأثره على الفنون الغربية من خلال حضارة العرب في إسبانيا”.

مساهمات رائدة في المشهد الثقافي

عاد “رضوي” إلى المملكة ليسهم بفاعلية في بناء المشهد الفني. وبدأ مسيرته العملية مدرسًا للرسم بمعهد التربية الفنية في الرياض. كما شغل مناصب قيادية مهمة، إذ عين مديرًا لمركز الفنون الجميلة في جدة منذ تأسيسه عام 1967 وحتى إلغائه عام 1974. كما تولى منصب المدير العام لجمعية الثقافة والفنون بجدة لمدة 11 عامًا ابتداءً من عام 1980، وعمل مستشارًا للجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون من 1993 إلى 2006. ولم تقتصر مساهماته على وطنه، فقد ترأس رابطة الفنانين التشكيليين العرب في مدريد عام 1973.

إرث فني يتجاوز 3300 عمل

توجت مسيرة “رضوي” الفنية بإنتاج غزير تجاوز 3300 عمل فني، تنوعت بين الرسم والتصوير والنحت والمجسمات الجمالية والجداريات. ومن أبرز أعماله 33 مجسمًا جماليًا تزين مدينة جدة وحدها، بالإضافة إلى سبعة في جامعة الملك سعود بالرياض، واثنين في مدريد، وواحد في العاصمة البرازيلية برازيليا.

في عام 1964، بعد عودته من إيطاليا، أقام “رضوي” معرضه الشخصي الأول في جدة، والذي يعد أول معرض تشكيلي يقام في المملكة. كان هذا المعرض خطوة جريئة أسهمت في تعريف الجمهور بالفن التشكيلي، وكسرت حاجزًا نفسيًا، ما شجع فنانين آخرين على تنظيم معارضهم الخاصة لاحقًا.

تميزت أعمال رضوي بأسلوب فريد يمزج بين التصوير والنحت والجداريات، معتمدًا بشكل أساسي على الألوان الزيتية والإكريليك. واهتم بشكل خاص بالخطوط الدائرية والألوان البراقة، ودعمها بالزخارف العربية التي منحها أولوية تعبيرًا عن الهوية الإسلامية، مستخدمًا الحرف العربي بمهارة لإنشاء تشابكات وتقابلات فنية فريدة في لوحاته. من أشهر أعماله التي تعكس هذا التوجه “ليلة الحنة”، “ليلة الفرح”، “المزمار الشعبي”، و”الخيول”.

فنان عالمي بامتياز

تجاوزت شهرة “رضوي” الحدود، إذ يعتبر من أكثر الفنانين التشكيليين مشاركة في المعارض الفنية على مستوى العالم. شارك في 101 معرض في دول مختلفة مثل الولايات المتحدة، هولندا، البرازيل، السويد، بريطانيا. اليابان، إندونيسيا، فرنسا، إسبانيا، إيطاليا، سويسرا، بلجيكا، ودول الخليج.

تعرض لوحاته في العديد من المتاحف والصالات الفنية العالمية، بما في ذلك متحف الفن الحديث في أبسيا بإسبانيا. ومتحف الفن الحديث في الأردن، ومتحف الفن في ريو دي جانيرو بالبرازيل. ومتحف الفن الحديث في المغرب، والمتحف الوطني في تونس. إلى جانب متحف كير جاس في زيوريخ بسويسرا. وصالة الفن في سان ماركو بروما. ويوجد متحف خاص لأعماله في مدينة جدة، يشهد على غزارة وعمق تجربته الفنية.

مؤلفات وجوائز

لم يقتصر إسهام “رضوي” على الإنتاج الفني، بل امتد ليشمل التأليف. ففي عام 1981، ألف كتابه “الحياة بين الفكر والخيال”. وشارك في عام 1986 في تأليف كتاب “قضايا معاصرة في الفن التشكيلي والفكر الاجتماعي”. كما أعد كتاب “الرضوي في مشواره الفني” الذي يوثق رحلته الفنية.

توجت مسيرة عبدالحليم رضوي الحافلة بالعديد من الجوائز والأوسمة التقديرية. منها وسام العلوم والفنون والآداب من أكاديمية بون تازين الدولية في نابولي بإيطاليا عام 1996. ووسام الفارس من رئيس بلدية ريو دي جانيرو في البرازيل عام 1984. ودرع لبنان عن معرضه التسعين في بيروت عام 1998.

الرابط المختصر :