غيب الموت في يوم الأربعاء الماضي، الأديب والناقد السعودي الفذ الدكتور سعيد السريحي، عن عمر ناهز 73 عامًا، بعد صراع مع المرض لم يمهله طويلًا.
وبوفاته، تفقد الأوساط الثقافية العربية واحدًا من أشرس المدافعين عن العقل والتجديد، ومفكرًا لم يكن مجرد ناقد للنصوص؛ بل كان “أركولوجيًا” ينقب في العادات والخطابات الثقافية والاجتماعية.
من حواري جدة إلى أروقة النقد
ولد السريحي في مدينة جدة عام 1953، تلك المدينة التي اتسمت بالانفتاح والتنوع، مما صقل وعيه الباكر. حصل على تعليمه العالي وصولاً إلى درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، ليبدأ رحلة فكرية لم تكن ممهدة بالورود؛ بل كانت مليئة بالمعارك الأدبية التي صاغت وجه الحداثة في السعودية والخليج خلال حقبتي الثمانينيات والتسعينيات.
أطروحة الدكتوراه.. الرمز الذي لم يسقط
ارتبط اسم “السريحي” بواحدة من أشهر القضايا الأكاديمية في تاريخ الجامعات السعودية، وهي قضية سحب درجته العلمية بسبب أطروحته “حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث”. لم تكن تلك الرسالة مجرد بحث أكاديمي؛ بل كانت “بيانًا حداثيًا” استخدم فيه أدوات نقدية بنيوية وفلسفية عميقة. ما أدى إلى اصطدام مباشر مع التيار التقليدي آنذاك.
وتحولت قضية “السريحي” إلى رمز لصمود المثقف أمام القوالب الجاهزة. كما حظي بتضامن واسع من كبار مثقفي العالم العربي، ليبقى السريحي في نظر تلاميذه ومحبيه “دكتور” بمرتبة الفكر قبل الرتبة العلمية.

الصحافة والأندية الأدبية.. ميادين الحراك
لم ينزوِ الراحل في الأبراج العاجية؛ بل كان صحفيًا من الطراز الرفيع. حيث أشرف على القسم الثقافي في صحيفة “عكاظ” لسنوات طويلة، محولًا إياها إلى منصة للحوار والجدل الفكري.
كما كان ركيزة أساسية في نادي جدة الأدبي، حيث أسهم مع جيله من الرواد في بعث حراك ثقافي اتسم بالجرأة والمكاشفة. مبلورًا رؤية نقدية تدمج بين الأدب والفلسفة وعلم الاجتماع.
إرثه الفكري وما وراء النصوص
ترك “السريحي” للمكتبة العربية مؤلفات تعتبر مراجع أساسية في النقد الثقافي. كما تميزت بقدرته على تفكيك “المسكوت عنه”، ومن أبرزها:
- “حجاب العادة“: الذي غاص فيه في مفهوم الكرم وتحولاته من الخطاب إلى التجربة.
- “غواية الاسم“: الذي قرأ فيه سيرة القهوة وعلاقتها بخطاب التحريم.
- “تقليب الحطب على النار“: دراساته العميقة في فن السرد.
- “الحياة خارج الأقواس“: سيرة ذاتية وفكرية صاغها بلغة أدبية باذخة، لخصت رحلته بين المعرفة والمواجهة.

وداع يليق بالرواد
نعى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان؛ وزير الثقافة السعودي، الفقيد مستذكرًا عطاءاته. كما ضجت منصات التواصل الاجتماعي بكلمات الرثاء من أدباء ومثقفين من مختلف أقطار الوطن العربي، الذين رأوا في رحيله غيابًا لقامة نقدية كانت تمنح المشهد الثقافي توازنه وعمقه.
رحل سعيد السريحي، لكنه ترك خلفه نارًا لا تزال تقلب الحطب، وأفكارًا ستظل تعيش “خارج الأقواس”، لتلهم أجيالًا قادمة من الباحثين عن الحقيقة في متون اللغة وظلال التراث.



















