تواصل الفنانة التشكيلية السعودية مها الملوح ترسيخ حضورها في المشهد الفني المحلي والعالمي، من خلال أعمال تتجاوز الإطار التقليدي للفن، لتقدم رؤى بصرية تستلهم الطبيعة والهوية والثقافة، وتعيد صياغتها بلغة فنية معاصرة تمزج بين الواقع والماورائيات.
بدايات مبكرة ومسيرة تتشكل بالشغف
بدأت الملوح رحلتها الفنية في سن السابعة عشرة، مدفوعة بشغف مبكر تجاه الفنون التشكيلية والتصوير، حيث خاضت تجربة ذاتية في التعلم والتطوير، مدمجة بين الحس البصري والتجربة الشخصية.
ولدت الفنانة في جدة عام 1959، وتقيم حالياً في الرياض، وحصلت على درجة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة الملك سعود، كما درست التصميم والتصوير الفوتوغرافي في كلية دي أنزا بكاليفورنيا، إلى جانب دراستها لتاريخ الفن في جامعة ساوثرن ميثوديست بدالاس.

هوية فنية مستلهمة من التراث
ووفقًا لـ”sa.arabisklondon” اختارت الملوح فن الكولاج كنقطة انطلاق لمسيرتها، حيث وظفت الرموز والزخارف المستوحاة من البيئة النجدية، معتمدة على الألوان الزاهية والعناصر التراثية التي تعكس عمق الثقافة السعودية.
وتبرز في أعمالها قدرة لافتة على التعبير عن الهوية والانتماء، إذ تستلهم موضوعاتها من العادات والتقاليد، وتعيد تقديمها برؤية معاصرة تتجاوز المألوف.
حضور دولي في أبرز المعارض العالمية
شهدت مسيرة الملوح مشاركات واسعة في محافل فنية دولية، حيث أقامت أول معرض فردي لها في الرياض عام 2007، قبل أن تتجه نحو العالمية من خلال مشاركات بارزة، من بينها بينالي البندقية عام 2017.
كما عرضت أعمالها في مؤسسات فنية مرموقة، مثل المتحف البريطاني وتيت مودرن ومركز جورج بومبيدو، إلى جانب حضورها في معارض دولية في لندن وباريس وغيرها من العواصم الثقافية.
تجارب فنية تناقش قضايا معاصرة
تتناول أعمال الملوح قضايا إنسانية واجتماعية متعددة، مثل النزعة الاستهلاكية، والذاكرة، والجندر، والتغيرات الثقافية، حيث تستخدم عناصر من الحياة اليومية وتحولها إلى رموز بصرية تحمل دلالات عميقة.
وفي أعمال مثل «كشف النقاب» و«غذاء الفكر»، أعادت توظيف أدوات الطهي والأغراض المنزلية، لتطرح تساؤلات حول دور المرأة والهوية الاجتماعية، مقدمة قراءة نقدية للواقع من خلال الفن.
تقنيات مبتكرة ورؤية تتجاوز التقليدي
اعتمدت الملوح على تقنيات متنوعة، من بينها الفوتوغرام، الذي يقوم على استخدام الظلال والضوء لإنتاج صور فنية، ما أتاح لها تقديم تجارب بصرية مختلفة.
كما استخدمت في بعض أعمالها مواد جاهزة مثل أشرطة الكاسيت، التي أعادت توظيفها داخل تكوينات هندسية مستلهمة من الزخارف الإسلامية، حاملة في طياتها رسائل ثقافية واجتماعية عميقة.

“شمالات الدرعية”.. مشروع يجمع الفن والعمارة
لم تقتصر إسهامات الملوح على الأعمال الفنية، بل امتدت إلى مشاريع ثقافية، من أبرزها مشروع «شمالات الدرعية»، الذي يحول موقعاً تقليدياً إلى مساحة إبداعية تجمع بين الفن والعمارة والتراث.
وحصل المشروع على جائزة الأمانة للإبداع المعماري لعام 2023، ليعكس اهتمام الفنانة بتعزيز الحوار بين الماضي والحاضر، وإعادة تقديم التراث برؤية معاصرة.
حضور راسخ وتأثير متجدد
نجحت مها الملوح في ترسيخ اسمها كواحدة من أبرز الفنانات التشكيليات في السعودية والعالم العربي، من خلال أعمال تجمع بين الأصالة والابتكار، وتقدم سرداً بصرياً يعكس تحولات المجتمع.
وتبقى تجربتها نموذجاً فنياً يعكس قدرة الفن على إعادة قراءة الواقع، وتحويل التفاصيل اليومية إلى لغة بصرية تحمل أبعاداً إنسانية وثقافية عميقة


















