ثقافة

د. رانيا يحيى تكتب: باليه «زوربا اليونانى».. إبداع في عالم الموسيقى

حاز باليه زوربا اليوناني على شهرة عالمية واسعة في أرجاء العالم، ومن المدهش أن الفنان المبدع الذي برع في كتابة هذا الباليه لم يلقَ الشهرة نفسها، ولم يتم تداول اسمه في الأوساط غير الفنية بنفس قدر وقيمة وشهرة الباليه، وهو ما جعلنا حريصين كل الحرص على تقديم “ميكيس ثيودوراكيس” كواحد من أهم المؤلفين الموسيقيين اليونانيين كقيمة فنية أثرت الحياة الموسيقية بثقافة اليونان متأثرًا بموسيقاها الشعبية وفولكلورها النابع من حضارتها حين وضع موسيقى الفيلم الشهير “زوربا اليوناني” عام 1966 إخراج مايكل كوكيانيس.

حاز الفيلم على هذا النجاح الكبير، وكذلك الموسيقى التي سبقت شهرتها الفيلم ذاته؛ ما دعاهم لتقديم القصة التي سطرها الكاتب اليوناني المعروف “لنيكوس كازانتزاكيس” كباليه بعدها بعقد كامل على مسرح ليركى سكيني في أثينا.

وقد صمم رقصات هذا العرض الأول الكيروجرافي الأمريكي لوركا ماسين؛ وبعد فترة انتقى “ثيودوراكيس” بعضًا من أعماله بجانب موسيقى الفيلم وأعاد صياغتها بما يتلاءم مع قصة الباليه ليُقَدم في عرض متكامل، وذلك بناء على تكليف له من أوبرا فيرونا، وبالتالي أخذ الباليه شكله الجديد كعمل استعراضي موسيقي غنائي يرتكز على الآلات الموسيقية الأوركسترالية مع إضافة آلة البزق الشعبية، والباليه والكورال بجانب صوت الميتزو سوبرانو النسائي الرخيم؛ لدعم الدراما المسرحية بلغة موسيقية غنائية حية تظهر من خلال تواجد المغنية المنفردة فى عمق المسرح متجلية بصوتها الصادح بأداء تعبيري مميز يعكس روحانيات مختبئة في خلجات الشعور الإنساني.
وتم تقديم أول عرض بعد هذه الإضافات والتعديلات بقيادة المؤلف نفسه على مسرح آرينا دى فيرونا بإيطاليا في عام 1988.

وتدور أحداث الباليه في إحدى القرى اليونانية التي يصل إليها أحد السياح وهو شاب أمريكي الجنسية يُدعى “جون”، ويرفض أهل القرية اندماجه معهم والاختلاط به، لكنه رغم ذلك يقع في غرام الأرملة “مارينا” معشوقة “يورجوس”؛ أحد شبان القرية، كما يأتي لهذه البلدة “زوربا” الشاب العنيد وهو في مرحلة النضج الذكوري؛ حيث كان في منتصف عمره لكنه مفعم بالنشاط والحيوية بعواطفه المتباينة والمتغيرة مع إيمانه الكامل بمبدأ الحرية في الحياة، وتنشأ بينه وبين السائح الأمريكي صداقة، ويحاول “زوربا” تعليم “جون” كيفية الاستمتاع بالحياة في سياق الأحداث الدرامية للباليه، كما تقع السيدة العجوز الفنانة “مدام أورتنس” في حب زوربا وتحلم بالزواج منه رغم رفضه هذه العلاقة التي تتنافى مع مبدأ الحرية الذي يعتنقه.

وفي الوقت نفسه تتأجج المشاعر العاطفية بين “جون” والأرملة “مارينا” ويتصدى أهل القرية لهذا الحب لدرجة تصل لقتل مارينا وإنقاذ جون على يد صديقه زوربا؛ لكن صدمة جون لقتل حبيبته تؤدي لانهياره التام، وكذلك تتردى الأحوال الصحية للسيدة العجوز “أورتنس” والتي تشعر بوهم الحب الذي يربطها بـ “زوربا”؛ ما يودي بها إلى انقضاء أجلها، وينعكس ذلك على الحالة النفسية لزوربا لشعوره بالذنب حيالها وتجاهله عاطفتها الصادقة، وفي ظل التعاسة التي تحيط بزوربا نجد صديقه جون الأمريكي يذكره بمبادئه وحكمته في الحياة للخروج من هذه الحالة البائسة، وبالفعل ينجح الصديق المخلص وينتهي الباليه بالرقصة اليونانية الشهيرة “السيرتاكي” بأدائهما معًا مع مشاركة أهالي القرية في حالة من المرح والسعادة.

باليه زوربا اليوناني
د. رانيا يحيى

وتُعتبر موسيقى هذا الباليه من أنجح الأعمال التي كُتبت خلال القرن العشرين، بما فيه من مستجدات في شكل الموسيقى بعناصرها المختلفة مع استخدام التقنيات الحديثة، وهو ما أثرى المؤلفات الموسيقية من الناحية العلمية، لكن ربما افتقدنا كثيرًا من النواحي الجمالية التي تنتج عن عذوبة الألحان التائهة في موسيقى هذا القرن؛ لذا فنجاح هذا الباليه يرجع لمجموعة من العوامل بعيدًا عن اقترانه بالسينما والتي تمثل أحد الأسباب الرئيسية لنجاح كثير من الأعمال الموسيقية، لكن هنا تكمن عبقرية “ثيودوراكيس” في استخدامه للإيقاعات المركبة والموازين المتغيرة وكذلك “السينكوب” أو قلقلة الضغوط و”البولي ريتم” أو ما يعرف بـ “التعدد الإيقاعي” بالتقنيات والتكنيك الحديث للقرن العشرين ولكن مع إضافة بصمة شرقية أعطت لونًا مميزًا وبعدًا جماليًا أكثر قربًا من بلاد الشرق.

هذا بجانب حب الغربيين للإيقاعات الشرقية الراقصة وهو ما أضفى شيئًا من الإبهار على مشاهدي هذا الباليه في كثير من دول العالم؛ إذ استخدم المؤلف -على سبيل المثال- الإيقاع المصمودي الصغير في أحد المشاهد؛ ما جعل المشاهدين في جو لا يخلو من السعادة، فضلًا عن استخدام موتيفات لحنية وإيقاعية قصيرة مع وجود كثير من الألحان ذات الزخارف التي يسهل استساغتها بالنسبة لآذان المتلقين وإعادة تكرارها، وهو ما قد يصعب حدوثه في مؤلفات عديدة تنتمي لهذه الحقبة تحديدًا.

باليه زوربا اليوناني

وبرع “ثيودوراكيس” كذلك في استخدام التنافرات كإحدى تقنيات التأليف الحديث في هذا القرن؛ إذ وضع النغمات المتنافرة داخل معالجات هارمونية جذابة وتعامله مع “الكنترابنط” داخل النسيج اللحني؛ بحيث يدمج الأساليب المتطورة لاستخدامات التنافرات داخل جديلة نغمية تعطي إحساسًا بالسهل الممتنع ولا يشعر الجمهور حيالها بغربة كغيرها من المؤلفات ذات الحداثة المفرطة.

أما بالنسبة لاستخدام الآلات الموسيقية في الأوركسترا فقد أثبت المؤلف تمكنه من التعامل مع التلوين الصوتي بحرفية ومهارة، بل قدرته على استخراج ألوان صوتية غير مطروقة بهذه التوليفة الرائعة، وكان توظيفه لآلات النفخ الخشبية والنحاسية بالتبادل مع الآلات الوترية غاية في التنوع والثراء؛ من حيث توزيع الأدوار فيما بينها وانتقال الألحان من آلة منفردة إلى أخرى، أما حول آلات الإيقاع فقد استخدم كثيرًا من الآلات الإيقاعية في هذا العمل واعتمد عليها كليًا في بعض المقاطع، وكان لها دور مهم في تحقيق النجاح والشهرة لهذا الباليه، ويعود لآلة البزق الشعبية دور البطولة في بعض المشاهد، خاصة خلال رقصة “السيرتاكي” التي ينتهى بها الباليه، والتي تثير مشاعر وأحاسيس المشاهدين.

دكتورة رانيا يحيى
رئيس قسم فلسفة الفن بأكاديمية الفنون
عضو المجلس القومي للمرأة بمصر

اقرأ أيضًا: دكتورة رانيا يحيى تكتب: «عروس البحر».. متعة بصرية

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى