المياه البيضاء في العين من أكثر الأمراض شيوعًا في العالم، وتتمثل في عتامة تصيب عدسة العين لتضعف البصر تدريجيًا وتصل إلى درجة العمى إذا ما لم تعالج.
تصيب المياه البيضاء الناس عادة بعد عمر الستين، لذلك يصنف أحد أمراض الشيخوخة، لكنه لا ينفي حقيقة إصابة من هم دون عمر الستين به بسبب بعض الأمراض، وأهمها مرض السكر أو للإصابات والكدمات الناتجة عن العراك أو حوادث السيارات أو لأسباب وراثية تجعل من الأطفال يصابون أيضًا بالمياه البيضاء.

بسبب ضعف الإبصار يلجأ المريض للطبيب مستفسرًا عن العلاج الذي يخلصه من المياه البيضاء إذ إنها تعيق وضوح رؤيته، لكن لوحظ أن هذا لا يكفي لإعادة الإبصار إلى القدرة والكفاءة المناسبة. فبعد الأبحاث الضرورية وجد أن عدسة العين قد وهبها الله دورًا آخر فضلًا عن الشفافية، والذي يتمثل في تجميع الصورة على الشبكية، وبذلك فيجب الاستعانة بعدسة لها نفس كفاءة عدسة العين.
التطور التاريخي للتكنولوجيا في إزالة المياه البيضاء
إن المراحل التي مرت بها الدراسات والأبحاث العلمية تعكس صبر وبديهة وذكاء أطباء العيون المتخصصين في استغلال أحدث التقنيات مع التنسيق مع كل الفروع التي يمكنها المساعدة ولو بنسبة قليلة في إيجاد العلاج الحاسم.

وتبدأ القصة من قبل الميلاد أين كان كبير أحد القبائل يجلس أمام المريض، وبعد قراءة بعض التعاويذ يشرع في إدخال آلة حادة داخل العين مع تحريكها من الأعلى للأسفل حتى تختفي الهالة البيضاء، دون علم منه أن ذلك يعود لسقوط عدسة العين المعتمة داخل العين ليتحسن الإبصار لبضع ساعات ثم يختفي بعد ذلك بسبب النزيف الدموي أو الانفصال الشبكي.
مع المثابرة والعمل الدؤوب تم التوصل إلى حل يقوم على إخراج العدسة لخارج العين وليس داخلها. ما حقق نجاحًا بعد تطور المشارط الجراحية والخيوط الطبية.
المواكبة والاكتشاف
لتظهر بعد ذلك أجهزة التبريد التي تحول العدسة الرخوة لقوام صلبة لتسهيل عملية إخراجها بجذبها للخارج. و مع تطور الحياة وزيادة متطلبات المرضى بين رغبتهم لاستئناف العمل، ومشاهدة المباريات وتصفح البريد الالكتروني، كان الحل هو إزالة المياه البيضاء، بدون عملية جراحية لتكون سرعة الالتئام، والذي يكون بتفتيتها وشفطها بقلم صغير لدرجة قدرة دخوله من خلال فتحة صغيرة للعين دون خياطة، وازدادت دقة هذه الخطوة بظهور أجهزة الفاكو التي تعتمد على الموجات الصوتية.
لكن للأسف إزالة العتامة أو المياه البيضاء لا يكفي لاستعادة الرؤية الجيدة لممارسة مختلف أنشطة الحياة بسلاسة. لأن عدسة العين لها دور في تجميع الصور على الشبكية، ليتم التوصل لوضع هذه العدسة في النظارات الطبية، واستمر هذا العلاج إلى أن بدأ بعض المرضى في الشكوى من ثقل وزن النظارة والتكبير المبالغ للصور والمشاهد وقلة الوضوح مقارنة بتلك الطبيعية والأسوأ ازدواجية الرؤية. وكانت أمثل خطوة هي العدسات اللاصقة التي حلت جمع المشكلات.

اكتشف أحد أطباء العيون، بعد التأمل في كوارث الحروب العالمية التي أودت بأرواح الملايين في مختلف بقاع العالم. أن بعض شظايا الزجاج داخل العين لم تتسبب بأية التهابات أو تهيجات حتى بعد مرور عشرات السنين. وعند التحليل في مكونات هذه الشظايا تم تطويرها وبناء عليها صنعت عدسات شفافة صلبة يمكن زرعها داخل العين. ومواكبة لأجهزة الموجات الصوتية وإزالة المياه البيضاء بتفتيتها وشفطها من خلال فتحة صغيرة. تم تطوير العدسات الصلبة إلى عدسات رخوة ذات قابلية للطي وحقنها داخل العين من خلال نفس الفتحة.
ما مدى استفادة الأطفال المصابين بالمياه البيضاء
نشأت كل هذه الحلول والتطورات تحت ظل العلم و المعرفة والإلمام والإحاطة بكل ما يخص الخصائص المميزة لأنسجة الأطفال و المضاعفات. فوجد أن مشكلات إزالة المياه البيضاء بالأطفال تتلخص في التهابات داخل العين بعد إجراء العملية. على الرغم من تناول المضادات الحيوية الموصوفة ومضادات الالتهاب. وبالبحث والتنقيب المستمر والعميق. وجد بعض الأطباء أن الجسم الزجاجي الذي يحتضن عدسة العين من الخلف هو المسؤول عن الالتهابات وعودة المياه البيضاء الثانوية. وإزالته تعني بالضرورة التحكم في التهابات العين بعد العملية.

وهنا نعود مجددًا بالزمن لتوضيح تاريخ وفضل الثورة الفرنسية في الإلهام لإيجاد حل طبي حاسم. فبسبب كثرة إطلاق أحكام الإعدام دفعتهم حاجتهم إلى اللجوء لوسيلة تنجز المطلوب بهمة وبسرعة. وكانت المقصلة تناسب المواصفات، تقطع الرقاب بكفاءة. ونباهة أطباء العيون أعانتهم على التعديل في آلة المقصلة وإضافة خاصية الشفط.
وبذلك يتم الشفط أولًا لإزالة المياه البيضاء ثم قطع وإزالة الجسم الزجاجي الذي يحتضن العدسة من الخلف بكل سلاسة.

يظل علاج المياه البيضاء في العين شاهدًا على التطور المذهل الذي حققه الطب عبر التاريخ. من المحاولات البدائية، إلى العمليات الجراحية الدقيقة المعتمدة اليوم. ما يدل على الشوط الطويل الذي قطعه الإنسان في سبيل تحسين جودة الحياة. وبرزت أيضًا قيمة البصر كنعمة عظيمة من الله تعالى دفعت البشرية للبحث الدائم في سبيل حمايتها واستعادتها.


















