في سجل الثقافة العربية المعاصرة، يبرز اسم حمد بن محمد الجاسر بوصفه أحد أبرز أعلام التحقيق والبحث في تاريخ الجزيرة العربية وجغرافيتها، وصاحب إسهامات نوعية في أدب الرحلات. وقد توج عطاؤه العلمي بحصوله على جائزة الملك فيصل في اللغة العربية والأدب عام 1996، عن موضوع «أدب الرحلات في التراث العربي تحقيقًا أو دراسة».
تتويج مسيرة علمية حافلة
منح الجاسر الجائزة تقديرًا لأعماله المتخصصة في أدب الرحلات، ولا سيما تحقيقه لكتاب «المناسك وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة» المنسوب للإمام الحربي، وكتاب «الدرر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة» لعبد القادر الجزيري.
واتسم عمله بالدقة العلمية؛ إذ تتبع النقول المروية في المكتبة العربية والإسلامية، مطبوعها ومخطوطها، وتثبت من صحتها، وأغنى النصوص بهوامش دقيقة وشروح وافية، مع تحقيق علمي لأسماء الأماكن والمواضع. كما قابل بين المخطوطات المختلفة، ما أسهم في تصحيح أخطاء وردت في بعض كتب الجغرافيين السابقين، وأخرج النصوص في صورة علمية رصينة.
النشأة والتعليم… من البرود إلى مكة والرياض
ولد الشيخ عام 1910 في بلدة البرود بمنطقة نجد في المملكة العربية السعودية، حيث تعلم مبادئ القراءة والكتابة وأتم حفظ القرآن الكريم. وفي عام 1922 انتقل إلى الرياض، فنهل من علوم الفقه والتوحيد والحديث والنحو على يد عدد من علمائها.
لاحقًا التحق بالمعهد السعودي في مكة المكرمة، وتخرج في قسم القضاء الشرعي عام 1934. وبعد التخرج، عمل مدرسًا في ينبع أربعة أعوام، ثم تولى القضاء في ضباء عام 1938. وسافر إلى مصر لاستكمال دراسته في كلية الآداب، غير أن اندلاع الحرب العالمية الثانية حال دون إتمام دراسته، فعاد إلى المملكة ليتولى عددًا من المناصب التربوية، كان آخرها إدارة كليتي الشريعة واللغة العربية في الرياض عام 1956.

ريادة صحفية.. تأسيس «اليمامة» وأول مطابع في الرياض
ووفقًا لـ”kingfaisalprize” بدأ الجاسر مسيرته الصحفية مبكرًا أثناء دراسته في مكة، إلا أن محطته الأبرز جاءت عام 1952 بإصداره صحيفة «اليمامة»، التي تعد أول صحيفة تصدر في الرياض. وقد كانت تطبع خارج العاصمة في بداياتها، قبل أن يتخذ قرارًا بطباعتها محليًا.
ومن هنا أسس «مطابع الرياض» عام 1954، لتكون أول مطابع تنشأ في المدينة، في خطوة شكلت منعطفًا مهمًا في تاريخ الطباعة والنشر في العاصمة السعودية.
مشروع علمي لخدمة التراث
انطلاقًا من اهتمامه العميق بالتراث العربي والإسلامي، خاصة تاريخ الجزيرة العربية وجغرافيتها، أنشأ الجاسر «دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر». ومن أبرز إصداراتها «المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية»، الذي يعد من الأعمال الرائدة في مجاله.
كما تولى رئاسة تحرير مجلة «العرب»، وأشرف عليها إشرافًا مباشرًا، ونشر عبرها جانبًا كبيرًا من أبحاثه ودراساته. ويقدر مجموع ما كتبه ونشره بنحو 1200 عمل، بين تأليف وتحقيق ودراسات ومقالات، إضافة إلى تناوله أكثر من ثلاثين رحلة بالتحليل أو التحقيق أو التلخيص.
حضور عربي وعلمي واسع
لم تقتصر مكانة الجاسر على الساحة المحلية، بل امتدت إلى المحيط العربي؛ إذ انتخب عضوًا في مجامع اللغة العربية في دمشق وبغداد والقاهرة، كما اختير عضوًا في المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في عمان، والمجمع العلمي في الهند.
وحصل على عدد من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1988، ووسام الملك عبد العزيز عام 1995، إلى جانب جائزة سلطان العويس للإنجاز العلمي والثقافي عام 1996، وجائزة الكويت للتقدم العلمي في العام ذاته. كما منحته جامعة الملك سعود الدكتوراه الفخرية عام 1996 تقديرًا لعطائه الثقافي.
مؤلفات تثري المكتبة العربية
ترك الشيخ الجاسر إرثًا علميًا متنوعًا، من أبرز مؤلفاته:
- «رحالة غربيون في بلادنا»
- «في الوطن العربي»
- «إطلالة على العالم الفسيح بين الشرق والغرب»
- «الذكرى المئوية الميمونة لاستقرار موحد البلاد»
- «بلدة البرود: موقع، وتاريخ، ومكان»
- «التصحيف في أسماء المواضع الواردة في الأخبار والأشعار» (نشر بعد وفاته)
وقد أطلق اسمه على عدد من الشوارع وقاعات المحاضرات والمعالم داخل المملكة وخارجها، تخليدًا لإسهاماته العلمية.
رحيل عالم وبقاء أثر
توفي الشيخ حمد بن محمد الجاسر في 14 سبتمبر 2000، بعد مسيرة حافلة بالعطاء العلمي والصحفي والثقافي. غير أن حضوره ظل ممتدًا عبر مؤلفاته وتحقيقاته، التي أسهمت في صون التراث العربي وتوثيق جغرافية الجزيرة العربية، ليبقى اسمه علامة بارزة في تاريخ البحث العلمي العربي
الرابط المختصر :















