الذبابة الطائرة.. لغز البقع العائمة في فضاء العين

قد يظن البعض أن ما يراه من خيوط دقيقة أو بقع عائمة أمام ناظره مجرد حالة نفسية أو تهيئات لكنه في الحقيقة ظاهرة بصرية تعرف بـ “الذبابة الطائرة”.

تلك الأشكال الصغيرة التي تبدو وكأنها تطفو في فضاء الرؤية مثيرة الفضول والقلق في آن واحد. لتفتح باب التساؤل والحيرة عما يخفى من أسرار حول العيون.

ذبابات لا تزن

الذبابة الطائرة هي أجسام بروتينية توجد بداخل سائل العين. وهذه الأجسام لها عدة أشكال وأحجام، وتتحرك بطرق مختلفة. كما أنها تبدو عالقة بداخل سائل العين الزجاجي الذي يعرف بـ Vitrous humour يشبه الهلام. عندما ينتبه المرء إلى أحد هذه الأجسام فإنه يوجه بصره إليها، ليلاحظ حركتها في اتجاهات أخرى.

والسبب الأساسى لرؤية هذه الأجسام هو أنها غير ثابتة بداخل العين وتتحرك باستمرار بداخل السائل الزجاجي.

وبالرغم من أن الشعيرات الدموية الرقيقة في العين تقف في طريق الرؤية هي الأخرى، إلا أنها غير مرئية بسبب أنها ثابتة في مكانها. فيتولى المخ تحييدها وحذفها من الصورة فيما يسمى “التكيف العصبي”.

وهو أمر يشبه التوقف عن الإحساس بالملابس على الجلد بعد ارتدائها بفترة. على عكس الذبابة الطائرة المتحركة لا يستطيع المخ تحييدها وحذفها من الصورة.

يبدو شكل الذبابة الطائرة واضحة عند النظر إلى سطح واسع ذي لون واحد، كالسماء الزرقاء أو ورقة بيضاء. وذلك لأن الضوء يضيّق مجال حدقة العين فيزيد عمق الرؤية وتصبح رؤية الذبابات الطائرة أسهل.

وتتسبب الذبابات الطائرة أحيانًا في تشويش الرؤية، فيتعلم معظم المصابين بها مع الوقت كيفية تجاهلها بحيث لا تضايقهم. وتظل هناك نسبة من الناس مصابة بها أكبر من المعتاد. فتعوق لديهم الرؤية المباشرة ويصبح تجاهلها أمرًا مستحيلًا.

كيف تتشكل الذبابات الطائرة؟

أهم سبب لتكوّن الذبابات هو عملية تحلل سائل العين الزجاجي. حث تشمل تركيبته 99% ماء، و1% مادة صلبة. وتتكون هذه الأخيرة من شبكة كولاجين وحمض الهيالورونيك.

قد يطلق هذا الحمض جزيئات الماء المرتبطة به، وبالتالي يزيد من سيولة سائل العين، ويتحلل الكولاجين إلى ألياف تسبح في السائل مكونة الذبابات الطائرة المزعجة في هذه الحالة تكون على هيئة خيوط وبعدد قليل.

وفي أحيان أخرى تنفصل هذه الشبكة الموجودة داخل السائل وتنكمش لتتلامس مع الشبكية. وعندها يرى الشخص ما يشبه أسهم عشوائية ضوئية.

وفي حالات أخرى تنفصل هذه الشبكة عند رأس العصب البصري فيرى المريض ذبابة طائرة كبيرة على شكل حلقة. ويمكن أيضًا أن تصطدم الشبكة المنفصلة بالشبكية وتمزّقها فيما يعرف بـ “انفصال الشبكية”. ليتسرب الدم إلى سائل العين، ويبدو للمصاب على هيئة نقاط صغيرة تتحرك في المجال البصري.

وتتطلب الحالة هنا التدخل الطبي فورًا؛ لأن انفصال الشبكية قد يتسبب في الإصابة بالعمى.

مسببات أخرى

إن انحسار الشريان الزجاجيhyaloid artery  الذي يتولى تغذية العين أثناء الفترة الجنينية يترك أحيانًا بعض الخلايا التي تتشكل لتصبح ذبابات طائرة.

وحدوث إصابات بالعين أو التهابات أو مضاعفات من مرض السكر أو من آثار إجراء عملية المياه البيضاء، وتجاوز سن الأربعين كل هذه عوامل تزيد من احتمالية تشكلها.

كما أن هناك بضعة أسباب أخرى، تتضمن حدوث قطع في الشبكية. حيث يؤدي هذا إلى دخول قطرات من الدم إلى داخل سائل العين. وفي حالة الإصابة بالتوكسوبلازما، فقد تدخل كرات الدم البيضاء إلى سائل العين.

وتتضمن الأسباب الأخرى حدوث استسقاء العين. وهناك مرض آخر وهو asteroid hyalosis والذي يؤدى إلى ارتباط الكالسيوم بشبكة الكولاجين داخل سائل العين وهنا تتكون ذبابات طائرة تتحرك قليلًا مع حركة العين ثم تعود إلى أماكنها الثابتة على شبكة الكولاجين عند توقف العين عن الحركة.

طرق علاجها

في معظم الحالات يمكن التعايش مع الذبابة الطائرة، ولا يحتاج الأمر إلى علاج إلا إذا رأى المريض ومضات الضوء أمام عينيه. لأن هذا مؤشر على حدوث انفصال شبكي يتوجب معه التدخل الطبي الفوري.

وفي الحالات الشديدة التي تتحول فيها الذبابات إلى شيء يعوق رؤية المريض يمكن إجراء جراحة لإزالة سائل العين أو جزء منه باستخدام إبرة مجوفة، ويتم استبداله بمحلول ملحي.

ولا يُنصح بإجراء هذه العملية للحالات البسيطة؛ نظرًا للمضاعفات المحتمل حدوثها. وهناك علاج حديث يستخدم فيه الليزر للتصويب على الذبابة الطائرة؛ بحيث تتحول إلى جسم أقل كثافة وغير ملحوظ.

لا شك في أن الذبابة الطائرة حالة بصرية غريبة ومربكة للغاية، لكنها دليل على حساسية ودقة العين في رصد أصغر التغيرات.

وعلى الرغم من أنها لا تستدعي القلق إلا أن الانتباه إليها واستشارة طبيب من الخطوات الضرورية للحفاظ على صحة البصر. فالعين هي مرآة الجسد ورعايتها أساس وضوح الرؤية وجمال الحياة.

الرابط المختصر :