تاريخ طويل.. الخيمة في التراث العربي

عكس تصميم السكن وتشكيله عبر التاريخ الحلول المختلفة المناسبة لكل حقبة وبيئة. من أجل الحماية من تقلبات المناخ وخلق جو مناسب لحياة الإنسان. لذلك، نجد أن المسكن التقليدي في أية منطقة مناخية، غالبًا ما يوضح تراكم خبرات سنين عديدة قد تصل إلى قرون. من محاولات الوصول إلى المثالية في تصميمه وشكله.

وهذه المثالية والأساليب هي نتاج التفاعل بين عنصرين أساسيين: الأول هو الثروات الطبيعية من المواد الخام المتوفرة في البيئة. والثاني هو المناخ السائد في المنطقة والذي يتحكم في الأنشطة التي تمارس داخل هذه المباني وحولها. إن هذه العلاقة تدل على أن المأوى الذي يتخذه الإنسان ليأوي إليه يجب أن يتصف بحد أدنى من المواصفات حتى يمكن أن يقوم بأداء وظائفه. ومنها حماية ساكنيه من البرد والحر وقسوة المناخ الخارجي وهجمات الحيوانات والأعداء.

نمط السكن بالبوادي

إن سكان البوادي ولا سيما البدو الرحل منهم مقتصرون على الضروري من القوت والملابس والمساكن وسائر الأحوال والعوائد. ومقصرون عما فوق ذلك من حاجيات أو كماليات.

يتخذون البيوت من الشعر والوبر أو من الطين والحجارة غير منجدة إنما هو قصد الاستظلال وقد يأوون إلى الغيران والكهوف. وهذا النمط من الحياة والسكن يغلب عليه التنقل والرحلة وهو يتنافى مع الاستقرار والعمران. ومع استخدام المواد الصلبة في البناء كالحجر الذي يحتاج إليه البدو فقط لنصبه عند الطهو ويضعون عليه القدر. والخشب أيضا إنما حاجتهم إليه ليعمدوا به خيامهم ويتخذوا الأوتاد منه لبيوتهم

تعريف الخيمة ووصف شكلها

الخيمة بيت مستدير يبنى من عيدان الشجر، هي ثلاثة أعواد أو أربعة يلقى عليها الثمام، وهو من نباتات البادية. والخيمة أيضًا هي البيت أو المنزل لأنها تتخذ مقرًا أصليًا. وتتخذ أيضًا من الخرق المعمول بالأطناب، أي الحبال التي تشد بها.

وتعني الخيمة كذلك الخلية الصغيرة داخل النظام القبلي أو أسرة مجتمعة بأفرادها، وهي أهم أنواع السكن والمأوى بالنسبة لمعظم الرحل وحتى بعض القبائل المستقرة.

تنسج الخيمة من مواد نباتية كالحلفاء والفليج بالنسبة لذوي الدخل الضعيف، أو من مواد حيوانية كشعر الماعز وصوف الجمال أو وبرها. أو من الجلود بالنسبة لمتوسطي الحال والأغنياء.

وتسمح المواد المشكلة للخيمة بالتمييز بين ألوان الخيام فخيام القبائل العربية تتميز بلونها البني والرمادي الناصعين. فإن البدو لجأوا إلى نسج خيامهم من هذه المواد. حتى يسهل هدمها عند سفرهم لغزواتهم وحروبهم بظعونهم وسائر حللهم وأحبائهم من الأهل والولد.

توضع الخيمة على ركيزتين تجمعهما خشبة تسمى «الحمار»، وعلى أعمدة يقل طولها في اتجاه الأطراف. وتشد بحبال موثوقة بأوتاد مغروسة في الأرض، وتوضع فوق الأوتاد وعلى الأطراف الأرضية من الخيمة قطع حجرية ثقيلة تزيد من مقاومتها للكوارث الطبيعية ولا سيما عواصف الرياح.

وفي بعض الأحيان تغطى القطع الحجرية بحصائر لتزيد من جمالية الخيمة. وتشد حصائر الخيمة إلى بعضها بعضًا بخيوط حبال رقيقة منسوجة من الحلفاء أو شعر الماعز أو من صوف الجمال أو وبرها. أو بقطع خشبية أو حديدية وفصل الحصائر عن بعضها عكس الخيوط التي تتطلب فترة أطول وتدل على حياة استقرار أطول.

وتتحكم الركيزتان في المساحة الداخلية للخيمة، فإذا كانتا طويلتين تكون الخيمة واسعة، وكلما قصرتا تقلصت مساحة الخيمة إلى أن تصبح  صغيرة. وتدل الخيمة الواسعة على استقرار أهلها في مكانهم. أما الخيمة الصغيرة فيرتبط بها نمط التنقل وخاصة في فترات محددة من السنة الفلاحية. حيث يضطر بعض أفراد العائلة للتنقل إلى أماكن الحرث والحصاد، أو جني محصول معين، أو الرعي في أماكن يتوفر فيها الكلا أكثر.

وتعمر الخيمة بين حوالي خمس وعشر سنوات في حالة التجديد المستمر للقطع البالية منها. أما بعض قطعها الخشبية مثل الحمار والركيزتين فيمكن أن تعمر أكثر من ثلاثين سنة أنها رمز الخير والبركة وفيها رائحة الأجداد، ومادمت تستعمل لن يمسهم مكروه ولا فقر.

صيانة الخيمة

تتم صيانة الخيمة وتجديد بعض قطعها سنويا اذاكانت الخيام مجتمعة. أما إذا كانت الخيام منعزلة وبعيدة عن بعضها بعضا فيتكلف أفراد الأسرة وحدهم بعملية الصيانة وتجديد القطع. وتتكلف النساء بمعظم أشغال الصيانة أما الرجال فيقتصر دورهم على العمليات الصعبة والشاقة مثل غرس الأوتاد ورفع الركيزتين وخياطة الحصائر أو شدها بالقطع الخشبية والحديدية.

وأثناء ذلك يظل الجميع في العراء يتناولون الوجبات المعدة من طرف صاحب الخيمة في شكل جماعي. وقد يشترك جميع الحاضرين في إعداد مأدبة جماعية يتم تناولها بعد الانتهاء من الأعمال الشاقة. وتتم عملية التجديد والصيانة في الغالب بعد الانتهاء من موسم الحصاد وجمع المحاصيل. أي مع اقتراب فصل الخريف أو بدايته، إذ يتم الاستعداد لعواصف الخريف الرملية ولأمطار فصل الشتاء.

أقسام الخيمة واستعمالاتها

قسم خاص بالأثاث والنوم

يكون في مركزها تحت الحمار ويسمى الرحل الكبير تختلف مساحته حسب حجم الخيمة، وهو عبارة عن أعمدة متراصة ومشدودة إلى بعضها بعضا بخيوط أو حبال منسوجة من شعر الماعز أو من صوف الغنم، ويوضع تحت الرحل صندوق خشبي يسمى المبيت تحفظ فيه الأعراض الثمينة مثل النقود وحلي المرأة وكسوتها، والوثائق الهامة مثل عقد الزواج ووثائق ملكية الأرض إن وجدت، وحتى بعض الأعشاب المستعملة كأدوية، وبعض الأطعمة الخاصة بالضيوف.

-قسم خاص بأمتعة وأواني الطبخ 

الأشغال اليومية للزوجة ويضم الرحل الصغير، ومكان طهي الطعام ويسمى عند بعض القبائل العربية «عشة النار». وبجانبه مكان الأكل واجتماع الأسرة، وخاصة في فصل الشتاء. حيث يتم استغلال دفء المكان وبالقرب من باب الخيمة مكان نسج الحصائر والزرابي والاغطية وغيرها من أغراض الأسرة.

-قسم خاص بصغار المواشي

كالجديان والخرفان والعجول الصغيرة …. إضافة إلى ركن صغير في الزاوية الجنوبية الغربية من الخيمة خاص بالدواجن. حيث يتم ربط عمود أو خشبة صغيرة بين عمودين المبيت الدجاج، وفي فصل الشتاء تخصص أطراف الخيمة للمواشي. إذ يتم إدخال المسنة منها أو المريضة أو المرضعة أو الأصناف التي لا تتمكن من مقاومة البرودة. وفي حالة الانخفاض الكبير لدرجات الحرارة يتم إدخال المواشى كلها إذا كانت الخيمة كبيرة.

استعمالات أخرى للخيمة

تستعمل الخيمة أيضاً لاستقبال الضيوف، وهنا يرفع ستار بين القسم الخاص للطهي، وقسم الرجال في حال زيارة أجانب.

كذلك كمكان للعبادة، الخيمة / المسجد لمبيت الغرباء وعابري السبيل في بعض الأحيان، كما تستعمل لاستقبال الضيوف، وخاصة في المناسبات، حيث يتم عزل النساء عن الرجال، وتتنقل الخيمة المسجد مع تنقل اهلها.

أثاثها وأدواتها

يصنف أثاث الخيمة إلى أدوات وأوان خاصة بالطهي، وأثاث خاص بالنوم، إضافة إلى أدوات الاستعمال اليومي والموسمي. وأدوات المناسبات وأثاثها، والأدوات الخاصة بالدواب والمواشي. وتختلف أهمية وتوعية هذا الأثاث والأدوات حسب الدخل المادي للأسر.

ويتمثل أثاث النوم في الحصير وبعض الأغطية والوسائد واللحاف والتربية بالنسبة لبعض الأسر وهي مصنوعة من صوف الإبل والأغنام أو من شعر الماعز. وتختلف من ناحية كثرتها وقلتها وجودتها حسب المستوى المادي للأسر وينام أفراد الأسرة في الفصل البارد تحت الرحل مجتمعين بسبب قلة الفراش وليستفيدوا من دفء أجسام بعضهم، وغالباً ما يضعون الحلفاء تحت الحصير في فصل الشتاء لتجنب برودة الأرض.

أما باقي الأدوات فتتمثل في البردعة والقفة والخرج والسرج واللجام وحاملة البارود والبندقية التقليدية بالنسبة لبعض الأسر التي تتوفر على السلاح، إضافة إلى أدوات الاستعمال الفلاحي كالمذراة والمدرة والفأس والمحراث الخشبي أو الحديدي والمنجل والصحفة الكبيرة وشبكة كبيرة من الحلفاء تستعمل لنقل المحاصيل على الدواب.

و في فصل الصيف

وفي فصل الصيف ترتفع درجة الحرارة داخل الخيمة، ولذلك ترفع أجزاء الحصائر الأرضية السفلى من الجهة الشمالية للخيمة. للاستفادة من رطوبة الهواء الشمالي. وينام أفراد الأسرة ليلاً متفرقين – لأنهم لا يحتاجون إلى فراش وأغطية كثيرة – إما في جهة باب الخيمة بالنسبة للنساء والأطفال. وإما خارج الخيمة بالنسبة للرجال والذكور البالغين. وغالباً ما يعزل الذكور المتزوجين عن نسائهم حتى يحافظوا على لياقتهم وطاقتهم. استعداداً للأشغال الشاقة التي تنتظرهم، وخاصة الحصاد والدرس وجمع المحاصيل.

إن هذا النمط من السكن فرضه النشاط الاقتصادي والمعيشي للسكان والبيئة  التي يعيشون فيها، وكانوا مجبرين للتكيف معها. فيما أن مصدر قوتهم هو الأنعام فقد اعتمدوا على جلودها وصوفها ووبرها وشعرها لصنع بيوت النقلة والترحال الخفيفة الحمل في الأسفار.

كما اعتمدوها في العمارة الداخلية لمساكنهم من خلال نسج الأثاث المختلف من ملابس وأفرشة، وغزلها. مما يدل على الاستفادة القصوى من هذه الموارد البيئية المتاحة. كما جاء ذلك في قوله تعالى: “والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين”.

الرابط المختصر :