كان للفسح في السنوات الماضية قبل استخدام التكنولوجيا طعم خاص ومميز، يجتمع الناس في مكان يتم الإتفاق عليه مسبقا وتحملهم مشاعرهم قبل أقدامهم بكل أشواق لهفة للقاء. يجعلون من سحر المكان وتفاصيله لغة يعبرون عليها بطول الغياب وزحمة الحياة. التي حرمتهم من لحظات اللقاء الجميلة مع من يحبون من الأهل والأحباب دون تضييع الوقت في التصوير وتوثيق أدق اللحظات.
لا أحد يسأل عن أحد بالهاتف والرسائل الكثيرة، وليس هناك ما يعكر صفو الرحلة. فإن قررت ألا تعلم أحدا عدت إلى منزلك متى شئت، دون أن يعرف أي كان بوجهتك.

هل كنا نضيع قبل وجود الهاتف
في زمن ليس بالبعيد، كان الناس يتفقون على موعد بالتاريخ والتوقيت والمكان، حتى قبل أيام أو أسابيع. ثم يلتقون دون حتى مكالمة بالهاتف. لقد كان الناس أكثر التزاما بالمواعيد حينها.
أما اليوم، وحتى في وجود أسرع وأقوى وسائل التواصل، أصبح البعض يتيه قبل وصوله إلى المكان. لأنه معتمد اعتمادًا كليا على توجيه الخرائط الإلكترونية، وعشر مكالمات قد لا تكون كافية حتى يتفق الطرفان. إذ إن أحدهم يؤكد بل ويحلف بأغلظ الإيمان، أنه يكاد يصل، بينما هو لايزال في منزله يحتسي قهوته.
جيل “الكلمة” والمواعيد الثابتة، وجيل الهاتف والإخلاف
جيل زمان تتفق جماعة على اللقاء في مكان ما على الساعة المحددة، يكون العناق شوقا بعد أيام من عدم الحديث إلى بعضهم كأصدقاء. أما أصدقاء اليوم، تتصل به عشرات المرات، لترشده إلى مكان ما، فإما يأتي بعد ساعات وقد أضاع الطريق بسيارته. أو أنه يلغي الموعد عبر رسالة على واتس أب”.
تحول الكذب بخصوص الموقع والوجهة إلى عادة لدى الكثير من الناس، ردًا على هوس الفضوليين بمعرفة خصوصيات الآخرين. حيث أصبح البعض لا يجد أي حرج في أن يخبر أخاه عبر الهاتف بأنه في المنزل، بينما هو متوجه إلى الاستجمام على شاطئ البحر.

ولا تخجل المرأة من إخبار صديقتها المتصلة بأنها تزور أمها، بينما هي تجلس مع صديقة ثانية، تتبادلان أطراف الحديث في شقتها المقابلة. مع أن السوشل ميديا كثيرا ما باتت تفضح تلاعبات وكذب الأفراد، بالصور والدليل.
هكذا، علمتنا التكنولوجيا كيف نكذب، وأباحت لنا ذلك تحت مسمى الحفاظ على الخصوصية. أصبح الكثير لا يحبون أن يخبرو من حولهم عن موقعهم وتفاصيله تحت مبرر لا نريدمن يقتحم خصوصياتنا
تضعنا تحت الضغط وتفقدنا الثقة
من شدة تعود الناس على الكذب عبر الهاتف، ضاعت الثقة في المجتمع، إلى حد كبير، فأصبحنا برغم تحديد المواعيد لا ننتظر القادمين لأنهم خذلونا مرارا، فأصبح حادث المرور، وعطل السيارة، والوعكات الصحية المفاجئة كذبات تقليدية مستهلكة. يستقبلها الناس ولا يصدقونها، لأنهم معتادون على استخدامها أيضا.


















