الامتداد التاريخي لجذور أدب الأطفال

الحكايات، المفتاح السحري لعوالم رسمتها الجدات وصاغتها قلوب الأمهات وفلسفة الحكماء، ورؤى المجتمعات. صارت اليوم صناعة أدبية وفنية متكاملة لعالم لا ترسمه حدود، هو فقط أفق لا نهاية له.

منذ زمن بعيد، لم تكن الحكايات تحكى ولا القصص تروى للأطفال فالطفل لم يعامل في الحضارات القديمة بشكل خاص. كان جزءًا من منظومة المجتمع وفق رؤاه الدينية والاقتصادية والاجتماعية.

اختلف مؤرخو الأدب حول بداية التراث الأدبي للأطفال، لكنهم اتفقوا على وجوده محكيًا وليس مدونًا ضمن الأدب الشعبي. ولم يكن هناك ما يسمى بأدب الأطفال، فالأساطير والحكايات والقصص الخيالية والأهازيج والمغامرات كانت للجميع بلا استثناء.

وكان الكبار والحكماء يتوارون خلف الأسطورة والعوالم الخيالية ليعبروا عن أفكارهم ولينقذوا مجتمعاتهم وليرسموا أحلامهم بطريقة شفهية. محملة بالمعاني والرسائل والحكم والجماليات عبر حكايات تناثرت خيوطها ولا يمكن معرفة نسٌاجها.

لقد كان التعبير الشفوي النواة الأساسية المكونة لآداب الشعوب في جميع الحضارات القديمة. وفي ثقافتنا العربية لم تكن هناك إشارة خاصة إلى أدب خاص بالأطفال.

ولم تدون إلا بعض الأغاني والأشعار التي كان يرقص عليها الأطفال، وبعض الوصايا الموجهة من مؤدبي ومعلمي الصبية. وقد يكون ذلك ترفعًا وتخوفًا من نقصان الهيبة. أما القصص الشعبي المحكي العفوي فهو جزء من ثقافة أي مجتمع عربي تداولها المجتمع بكافة أطيافه دون الالتفات إلى السن.

بداية تدوينه في أوروبا وجمعه في البيوت

أما أدب الأطفال بمفهومه الحالي فقد بدأ من أوروبا مدونًا في نهاية القرن السابع عشر، وكان ميلاد أدب الأطفال عام 1667 في فرنسا. حين جمع الكاتب الفرنسي “شارل بيرو” 1628 ـ 1703 الحكايات الشعبية الأوروبي.

ونقلها من التراث الشفهي إلى الأدب المكتوب، فكانت أول مجموعة قصصية للأطفال “حكايات أمي الأوزة” التي تضمنت مجموعة من الحكايات الشهيرة. مثل: القط ذو الحذاء، وسندريلا، وذات الرداء الأحمر، والذئب وعقلة الأصبع، وغيرها.

الكاتب الفرنسي “شارل بيرو” (1628 ـ 1703)

بعدها بأكثر من مائة عام ظهر كتاب الأخوين جريم “حكايات الأطفال والبيوت” في ألمانيا عام 1812 حيث دون الكاتبان كثيرًا من الحكايات الشعبية، وجمعا مزيدًا من القصص من أفواه  الأمهات والجدات في قرى ألمانيا مثل “بياض الثلج” و “الأقزام السبعة” و “الأميرة النائمة” و “رابونزل”.

وقد توالت إصدارات المجموعة في كل مرة مع إضافة قصص جديدة. وترجمت لاحقًا إلى 140 لغة، بما فيها العربية، وأصبحت جزءًا من تراث وأساطير الشعوب.

وظهر في الدانمارك “هانز كريستيان أندرسن” في عام 1835 الذي جمع وكتب عددًا من القصص عن التراث الإسكندنافي مثل “الأميرة وحبة الفول” و”ملابس الإمبراطور” و”البط الدميم”.

الكاتب والشاعر الدنماركي “هانس كريستيان أندرسن” 1805-1875

أما في انجلترا فقد كانت “أليس في بلاد العجائب” كالبركان الروحي لأدب الأطفال. و احتفلت بريطانيا عام 2015 بمرور 150 عاما على ولادة كتاب أليس الذي كتبه “لويس كارول” عام 1865. وهو معلم رياضيات واسمه الحقيقي هو “تشارلز دودسن”.

الكاتب وعالم الرياضيات الإنجليزي “تشارلز لوتويدج دودسن” 1832-1898

إدخال الرسم لكتب الأطفال

وفي عام  1901 ظهرت في بريطانيا الطبعة الأولى من كتاب “الأرنب بيتر” لمؤلفته الرسّامة الانجليزية “هيلين بياتريكس بوتر”، التي كتبته باسم مستعار وكانت أول من أدخل فن الرسم إلى كتب الأطفال الملونة في تاريخ كتب أدب الأطفال.

الروائية الإنجليزية والرسامة والشاعرة وعالمة الطبيعية “هيلين بياتريكس بوتر” 1866-1943

وتوالت بعد ذلك العديد من الإصدارات التي صارت تعد الآن من الكلاسيكيات مثل “جزيرة الكنز” لمؤلفه الإنجليزي “روبرت لويس ستيفنسون” عام 1882. و”بيتر بان” ل“جيمس ماثيو باري” عام 1911. وأسست هذه القصص لنوع أطول من نصوص قصص الأطفال.

الروائيء والشاعر الاسكتلندي متخصص في أدب الرحلات روبرت لويس بلفور ستيفنسون 1850-1894
الكاتب العمومي والمسرحي الاسكتلندي “جيمس ماثيو باري” 1860-1937

انتشارها حول العالم

في نهاية القرن السابع عشر يبدو أن أحدهم قد فتح الباب وتركه مشرعًا، وكثيرون ممن دخلوا من هذا الباب كانت حقائبهم تعج بقصص وحكايات. كانت تحكى في البيوت وبجوار أسرة الأطفال، أفرغوا محتويات حقائبهم هناك ورحلوا. فانتشرت هذه القصص ودارت حول العالم ثم صارت مصدرًا لكثير من النسخ المختلفة من المجموعات القصصية والمسرحيات والأفلام والدراسات الأدبية على مر السنوات. بل إن بإمكان دارسيها أن يجدوا مصدرًا يحكي ويوثق الحياة الاجتماعية والثقافية والتغيرات الفكرية التي شهدتها أوروبا في ذلك الزمن.

فثمة فرق بين “سندريلا” الطيبة التي تنتظر الأمير أن ينقذها من حياتها البائسة. و”ليلى” التي أكلها الذئب لأنها لم تكن في حماية أحد وتحدثت مع الغرباء، وبين “أليس” التي جابت وحدها بمنتهى الفضول والشجاعة عالمًا آخر. و”بيتر بان” الصبي الذي لا يكبر والذي طار محلقا يتبع أحلامه. هذا تغير في صياغة الحكاية والبعد النفسي لأبطالها وأحداثها مرتبط إلى حد وثيق بالزمان والمكان.

الرابط المختصر :