ضريبة الكمال.. كيف تسرق الضغوط فرحة المتفوقين؟

مع إعلان نتائج الامتحانات، تتجه الأنظار عادة إلى قصص النجاح والاحتفالات، لكن خلف بعض المعدلات المرتفعة تختبئ مشاعر لا تشبه الفرح. فهناك تلاميذ يحققون نتائج متميزة، ومع ذلك يغادرون قاعات إعلان النتائج بملامح يملؤها الحزن وخيبة الأمل، لأنهم لم يبلغوا العلامة الكاملة أو فقدوا المركز الأول بفارق ضئيل.
 إن هذه الظاهرة تعكس تأثير ما يعرف بـ”الكمالية المرضية”، حيث تصبح قيمة الطالب مرتبطة بتحقيق الكمال لا بالإنجاز نفسه، وهي قناعة قد تتشكل بفعل الضغوط الأسرية والتوقعات المرتفعة التي تجعل النجاح مجرد محطة عابرة، فيما تتحول أي نقطة مفقودة إلى مصدر إحباط يفوق حجمها الحقيقي.

فكثير من الأبناء يسمعون بعد تحقيق معدلات عالية عبارات مثل: كان بإمكانك أن تتحصل على علامات أفضل، ما يجعل بعض المتفوقين يعيشون تحت ضغط دائم، وأي تراجع، ولو طفيف، يعدونه سقوطًا وفشلًا، ومع مرور الوقت، يصبح النجاح نفسه عبئًا نفسيًا، بدل أن يكون دافعًا إيجابيًا.

Story pin image

المقارنة تصنع من المتفوق فاشلًا

لا يتوقف الأمر على المتفوق ذاته، أو على أسرته فقط، بل يلعب المجتمع والبيئة المحيطة ككل دورًا محوريًا في تكريس هذا الشعور، حين يتحول التفوق إلى واجب لا إلى إنجاز استثنائي، فإن الطفل أو المراهق يعتقد أن الحب والاعتراف مرتبطان فقط بالعلامة الكاملة، وليس بالمجهود المبذول، حتى مواقع التواصل الاجتماعي، تساهم مؤخرًا في تعميق هذه الثقافة التي حولت النجاح الدراسي إلى ساحة مقارنة مستمرة، فبمجرد إعلان النتائج، تمتلئ المنصات بصور المعدلات الأسطورية، وقصص الأوائل، والتعليقات التي تضع سقفًا مرتفعًا جدًا للنجاح… وهكذا يشعر المتفوق الذي حقق نتيجة ممتازة بأنه أقل قيمة، فقط لأنه قارن نفسه بمن حقق نتيجة أعلى بقليل.

Graduation | UAL

عندما يكون التحدي هو النجاح وليس التفوق

في المقابل، نجد تلاميذ آخرين يعيشون فرحة حقيقية بمجرد النجاح أو الانتقال إلى مستوى أعلى. إن هؤلاء يقيسون الإنجاز مقارنة بظروفهم الخاصة، لا مقارنة بالآخرين  فقد يكون النجاح بالنسبة إلى أحدهم انتصارًا على صعوبات عائلية أو نفسية أو مادية أو صحية. لذلك، يحتفل به بكل عفوية وامتنان، حتى وإن كان المعدل متوسطًا. وهنا يظهر الفرق بين من ينظر إلى النجاح كرحلة وتطور شخصي. ومن يراه سباقًا لا يقبل سوى المركز الأول.

أن أخطر ما في هذه الظاهرة، هو أثرها على الصحة النفسية للمتفوقين. فالإحساس الدائم بعدم الرضا قد يقود إلى القلق المزمن، واضطرابات النوم، وفقدان الثقة بالنفس، وحتى الاكتئاب. كما قد يدفع بعض التلاميذ إلى الانهيار عند أول تعثر حقيقي. لأنهم لم يتعلموا تقبل النقص أو التعامل مع الفشل الطبيعي في الحياة.”

This may contain: a woman in graduation cap and gown holding up a certificate next to a laptop computer

النجاح الحقيقي لا يقاس بالأرقام وحدها

فدور الأولياء لا يقتصر على تشجيع الأبناء على التفوق. بل يمتد إلى غرس ثقافة تقبّل الخطأ والنظر إليه باعتباره جزءًا طبيعيًا من رحلة التعلم والنمو. فالإشادة بالاجتهاد والمثابرة، بدل التركيز على العلامة النهائية فقط، تساعد الأبناء على بناء شخصية متوازنة وأكثر قدرة على مواجهة التحديات. وتمنحهم دافعًا للاستمرار في النجاح دون أن تتحول النتائج الدراسية إلى عبء نفسي أو معيار وحيد لتقدير ذواتهم.

وبين من يكتفي بالنجاح ويحتفل به بكل رضا، ومن يرى في كل نقطة مفقودة إخفاقًا يستحق الحزن. تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم النجاح داخل الأسرة والمدرسة. فالنجاح الحقيقي لا يقاس بالأرقام وحدها، بل بالجهد المبذول، والتطور الشخصي. والقدرة على التعلم دون أن يدفع الطالب ثمنًا نفسيًا باهظًا.

وعندما يتعلم الأبناء أن قيمة الإنسان لا تحددها علامة على ورقة امتحان. يصبح التفوق مصدرًا للثقة والسعادة، لا سببًا للقلق والخوف من عدم بلوغ الكمال.

الرابط المختصر :