متلازمة «الأجداد العبيد».. عندما يتحول حب الأحفاد إلى عبء

من أجمل الصور التي تحتفظ بها الذاكرة، ذلك المشهد الذي يجمع الجد أو الجدة بأحفادهما. ضحكات تتعالى، وحكايات لا تنتهي، ودفء عائلي لا يمكن تعويضه. فوجود الأجداد في حياة الأطفال ليس مجرد وسيلة لمساعدة الآباء، بل هو علاقة إنسانية تمنح الصغار الأمان، وتمنح كبار السن شعورًا بالحيوية والانتماء.

دراسة.. رعاية الأحفاد تُطيل العمر! - بوابة الهدف الإخبارية

وليس غريبًا أن تؤكد الدراسات العلمية أن المشاركة المعتدلة في رعاية الأحفاد تنعكس إيجابًا على صحة الأجداد النفسية والجسدية، إذ تمنحهم هدفًا جديدًا في الحياة، وتحافظ على نشاطهم الذهني، وتخفف من شعورهم بالوحدة بعد التقاعد.

غير أن هذه الصورة الجميلة تبدأ في التصدع عندما تتحول المساعدة إلى التزام يومي، ويصبح الجد أو الجدة مسؤولين عن تربية الأحفاد وكأنهما الوالدان الحقيقيان. عندها، يتلاشى الجانب الممتع من العلاقة، لتحل محله ضغوط لا تتناسب مع عمرهما أو حالتهما الصحية.

لماذا يعارض بعض الآباء تدخل الأجداد في تربية أحفادهم؟ | مرأة | الجزيرة نت

عندما يتحول الحب إلى عبء

ولهذا السبب، بدأ الباحثون يستخدمون مصطلح “متلازمة الأجداد العبيد” لوصف الحالة التي يعيشها بعض كبار السن عندما يثقلون بمسؤوليات تفوق طاقتهم، فيقضون أيامهم بين إعداد الطعام، وتنظيف المنزل، ومرافقة الأحفاد إلى المدرسة، ومتابعة دراستهم، ورعايتهم لساعات طويلة، دون أن يحظوا بالراحة التي يستحقونها في هذه المرحلة من العمر.

ومع مرور الوقت، لا تقتصر آثار هذا العبء على التعب الجسدي فقط، بل تمتد إلى الإرهاق النفسي، والقلق، واضطرابات النوم، والشعور بفقدان الحرية، بل وقد تتفاقم الأمراض المزمنة نتيجة الضغوط اليومية المتواصلة. والأسوأ من ذلك أن كثيرًا من الأجداد يخفون معاناتهم، لأنهم لا يريدون أن يفهم رفضهم على أنه تقصير في حق أحفادهم الذين يحبونهم بصدق.

علاقتنا بأجدادنا.. كيف تمنحنا السعادة وتطوّر شخصيتنا؟ | أخبار أسلوب حياة | الجزيرة نت

الوجه الخفي للمشكلة

في مجتمعاتنا العربية، نادرًا ما ينظر إلى هذه الظاهرة بوصفها مشكلة تستحق النقاش، رغم أنها تتكرر داخل كثير من الأسر. فكثير من الجدات، على وجه الخصوص، يجدن أنفسهن مسؤولات عن رعاية الأحفاد منذ الصباح حتى المساء، بينما يواصل الأبوان حياتهما اليومية وكأن وجود الجدة يغني عن أي التزام آخر.

وأتذكر سيدة مسنة التقيتها ذات مرة في أحد المستشفيات. كانت تنتظر دورها بصمت، وقد لفت انتباهي الضماد الذي يلف إصبع قدمها، في إشارة إلى معاناتها من مضاعفات مرض السكري. وما إن بدأنا الحديث حتى انفجرت بما كانت تخفيه في صدرها.

قالت إن زوجة ابنها تعتمد عليها اعتمادًا شبه كامل في رعاية الأطفال، حتى أصبحت تشعر بأنها مربية أكثر منها جدة. وأضافت بحزن أن أبناءها يخرجون في رحلات وإجازات ويتركون الأطفال لديها لأيام. بينما تعود هي في كل مرة منهكة، يرتفع لديها مستوى السكر بسبب التعب والإجهاد، دون أن يسأل أحد عن حالها أو يقدر ما تبذله من جهد. ثم ختمت حديثها بجملة تختصر الكثير: “أحب أحفادي، لكنني لم أعد أحتمل”.

حسب أبحاث حديثة.. الأجداد يساعدون على تنمية مواهب الأحفاد | مرأة | الجزيرة نت

رفقًا بمن أفنوا أعمارهم من أجلنا

ليس المطلوب أن يبتعد الأجداد عن أحفادهم، فوجودهم نعمة لا تقدَّر بثمن، بل المطلوب ألا تتحول محبتهم إلى التزام مفروض عليهم. فالشيخوخة ليست مرحلة لاكتساب مسؤوليات جديدة، وإنما وقت يستحق فيه الإنسان أن يحصد ثمرة سنوات طويلة من العطاء.

وعندما تظل رعاية الأحفاد في حدود المساعدة الطوعية، يستفيد الجميع؛ إذ ينعم الأطفال بحنان الأجداد وخبرتهم، ويحافظ كبار السن على صحتهم واستقلاليتهم. أما عندما تصبح تلك الرعاية وظيفة يومية دائمة، فإنها تفقد معناها الإنساني، وتتحول من لفتة حب إلى عبء ثقيل يدفع ثمنه الأجداد بصمت.

الرابط المختصر :